جـ- حكم الاحتجاج بالقدر في ترك ما أمر الله به: إن الإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية، وقدرة عليها، لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له.
أما الشرع، فقد قال الله تعالى في المشيئة: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩] (١) .
وقال تعالى في القدرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٢) .
وأما الواقع فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما يفعل، وبهم يترك، ويفرِّق بين ما يقع بإرادته كالمشي وما يقع بغير إرادته كالارتعاش، لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان
_________________
(١) سورة النبأ آية: ٣٩.
(٢) سورة البقرة آية: ٢٨٦.
[ ١٠٤ ]
بمشيئة الله تعالى وقدرته، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] (١) ولأن الكون كله مُلك لله تعالى فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.
والإيمان بالقدر على ما سبق تقريره لا يمنح العبد حُجّةً على ترك ما أمر الله به أو فِعل ما نهى الله عنه، فمن احتج بالقدر على فعل المعاصي فهذا احتجاج باطل من وجوه:
الأول: قال النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة". فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ " قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (٢) . فأمر النبي ﷺ بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.
الثاني: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٣) .
ولو كان العبد مجبورا على الفعل، لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل، ولذلك إذا وقعت منه
_________________
(١) سورة الإنسان آية: ٣٠.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم.
(٣) سورة التغابن آية: ١٦.
[ ١٠٥ ]
المعصية بجهل أو نسيان أو إكراه فلا إثم عليه، لأنه معذور.
الثالث: أن قَدَرَ الله تعالى سرٌ مكتوم لا يُعْلَم إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقةٌ على فعله، فتكون إرادته الفعل غيرُ مبنيةٍ على علم منه بقَدَر الله، وحينئذ تنتفي حُجته بالقدر؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
فإذا اعترض العاصي وقال: إن المعصية كانت مكتوبة عليّ، فيقال له: قبل أن تقترف المعصية، ما يدريك عن علم الله تعالى؛ فما دمتَ لا تعلم ومعك الاختيار والقدرة، وقد وُضِّحت لك طُرُق الخير والشر، فحينئذ إذا عصيت فأنت المختار للمعصية، المفضل لها على الطاعة، فتتحمل عقوبة معصيتك.
الرابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص، فأخذ ماله، أو انتهك حرمته، ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يَقبل حجته، فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟!