نُرِيد من الرسَالَة الْعَامَّة بعثة الرُّسُل لتبليغ شىء من العقائد وَالْأَحْكَام عَن الله خَالق الْإِنْسَان وموفيه مَالا غنى لَهُ عَنهُ كَمَا وفى غَيره من الكائنات سداد حاجاتها ووفاء وجودهَا على الْقدر الذى حدد لَهَا فى رُتْبَة نوعها من الْوُجُود وَالْكَلَام فى هَذَا الْبَحْث من وَجْهَيْن الأول وَهُوَ أيسرهما على الْمُتَكَلّم وَجه أَن الِاعْتِقَاد ببعثة الرُّسُل ركن من أَرْكَان الْإِيمَان فَيجب على كل مُؤمن ومؤمنة أَن يعْتَقد بِأَن الله أرسل رسلًا من الْبشر مبشرين بثوابه ومنذرين بعقابه قَامُوا بتبليغ أممهم مَا أَمرهم بتبليغه من تَنْزِيه لذاته وتبيين لسلطانه القاهر على عباده وتفصيل لأحكامه فى فَضَائِل أَعمال وصفات يطالبهم بهَا وفى مثالب الْأَفْعَال وخلائق ينهاهم عَنْهَا وَأَن يعْتَقد بِوُجُوب تصديقهم فى أَنهم يبلغون ذَلِك عَن الله وَوُجُوب الِاقْتِدَاء بهم فى سيرهم والائتمار بِمَا أمروا بِهِ والكف عَمَّا نهواعنه وَأَن يعْتَقد بِأَن مِنْهُم من أنزل الله عَلَيْهِ كتبا تشْتَمل على مَا أَرَادَ أَن يبلغوه من الْخَبَر عَنهُ وَمن الْحُدُود وَالْأَحْكَام الَّتِى علم الْخَيْر لِعِبَادِهِ فى الْوُقُوف عِنْدهَا وَأَن هَذِه الْكتب الَّتِى أنزلت عَلَيْهِم حق وَأَن يُؤمن بِأَنَّهُم مؤيدون من الْعِنَايَة الإلهية بِمَا لَا يعْهَد للعقول وَلَا للاستطاعة البشرية وَأَن هَذَا الْأَمر الْفَائِق لمعروف للبشر هُوَ المعجزة الدَّالَّة على صدق النبى فى دَعْوَاهُ فَمَتَى ادّعى الرَّسُول النُّبُوَّة وَاسْتدلَّ عَلَيْهَا بالمعجزة وَجب التَّصْدِيق برسالته
وَمن لَوَازِم ذَلِك بِالضَّرُورَةِ وجوب الِاعْتِقَاد بعلو فطرتهم وَصِحَّة عُقُولهمْ وَصدقهمْ فى أَقْوَالهم وأمانتهم فى تَبْلِيغ مَا عهد اليهم أَن يبلغوه وعصمتهم
[ ٤٤ ]
من كل مَا يشوه السِّيرَة البشرية وسلامة أبدانهم مِمَّا تنبوا عَنهُ الابصار وتنفر مِنْهُ الأذواق السليمة وَأَنَّهُمْ منزهون عَمَّا يضاد شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الْمُتَقَدّمَة وَأَن أَرْوَاحهم ممدودة من الْجلَال الإلهى بِمَا لَا يُمكن مَعَه لنَفس إنسانية أَن تسطو عَلَيْهَا سطوة روحانية اما فِيمَا عدا ذَلِك فهم بشر يعتريهم مَا يعترى سَائِر أَفْرَاده يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وينامون ويسهون وينسون فِيمَا لَا علاقَة لَهُ بتبليغ الْأَحْكَام ويمرضون وتمتد إِلَيْهِم أيدى الظلمَة وينالهم الاضطهاد وَقد يقتلُون
المعجزة لَيست من نوع المستحيل عقلا فَإِن مُخَالفَة السّير الطبيعى الْمَعْرُوف فى الإيجاد مِمَّا لم يقم دَلِيل على استحالته بل ذَلِك مِمَّا يَقع كَمَا يُشَاهد فى حَال الْمَرِيض يمْتَنع عَن الْأكل مُدَّة لَو لم يَأْكُل فِيهَا وَهُوَ صَحِيح لمات مَعَ وجود الْعلَّة الَّتِى تزيد الضعْف وتساعد الْجُوع على الْإِتْلَاف فَإِن قيل إِن ذَلِك لَا بُد أَن يكون تَابعا لناموس آخر طبيعى قُلْنَا إِن وَاضع الناموس هُوَ موجد الكائنات فَلَيْسَ من الْمحَال عَلَيْهِ أَن يضع نواميس خَاصَّة بخوارق الْعَادَات غَايَة مَا فى الْأَمر أننا لَا نعرفها وَلَكنَّا نرى أَثَرهَا على يَد من اختصه الله بِفضل من عِنْده على أننا بعد الِاعْتِقَاد بِأَن صانع الْكَوْن قَادر مُخْتَار يسهل علينا الْعلم بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع عَلَيْهِ أَن يحدث الْحَادِث على أى هَيْئَة وتابعا لأى سَبَب إِذا سبق فى علمه أَنه يحدثه كَذَلِك
المعجزة لَا بُد أَن تكون مقرونة بالتحدى عِنْد دَعْوَى النُّبُوَّة وظهورها من الْبَرَاهِين المثبتة لنبوة من ظَهرت على يَده لِأَن النبى يسْتَند إِلَيْهَا فى دَعْوَاهُ أَنه مبلغ عَن الله فاصدار الله لَهَا عِنْد ذَلِك يعد تأييدا مِنْهُ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَمن الْمحَال على الله أَن يُؤَيّد الْكَاذِب فَإِن تأييد الْكَاذِب تَصْدِيق لَهُ وَتصدق الْكَاذِب كذب وَهُوَ محَال على الله فَمَتَى ظَهرت المعجزة وهى مِمَّا لَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر وقارن ظُهُورهَا دَعْوَى النُّبُوَّة علم بِالضَّرُورَةِ أَن الله مَا أظهرها إِلَّا تَصْدِيقًا لمن ظَهرت على يَده وَإِن كَانَ هَذَا الْعلم قد يقارنه الانكار مُكَابَرَة
وَأما السحر وَأَمْثَاله فَإِن سلم أَن مظاهره فائقة عَن آثَار الْأَجْسَام والجسمانيات فهى لَا تعلو عَن متناول القوى الممكنة فَلَا يُقَارب المعجزة فى شىء
[ ٤٥ ]
أما وجوب تِلْكَ الصِّفَات الْمُتَقَدّمَة للأنبياء فلأنهم لَو انحطت فطرهم عَن فطر أهل زمانهم أَو تضاءلت أَرْوَاحهم لسلطان نفوس أخر أَو مس عُقُولهمْ شىء من الضعْف لما كَانُوا أَهلا لهَذَا الِاخْتِصَاص الإلهى الذى يفوق كل اخْتِصَاص اختصاصهم يوحيه والكشف لَهُم عَن أسرار علمه وَلَو لم تسلم أبدانهم عَن المنفرات لَكَانَ انزعاج النَّفس لمرآهم حجَّة للْمُنكر فى إِنْكَار دَعوَاهُم وَلَو كذبُوا أَو خانوا أَو قبحت سيرتهم لضعفت الثِّقَة بهم ولكانوا مضلين لَا مرشدين فتذهب الْحِكْمَة من بعثتهم وَالْأَمر كَذَلِك لَو أدركهم السَّهْو أَو النسْيَان فِيمَا عهد إِلَيْهِم تبليغه من العقائد وَالْأَحْكَام أما وُقُوع الْخَطَأ مِنْهُم فِيمَا لَيْسَ من الحَدِيث عَن الله ولاله مدْخل فى التشريع فجوزه بَعضهم وَالْجُمْهُور على خِلَافه وَمَا ورد من مثل أَن النبى ﷺ نهى عَن تأبير النّخل ثمَّ أَبَاحَهُ لظُهُور أَثَره فى الإثمار فَإِنَّمَا فعله ﵊ ليعلم النَّاس أَن مَا يتخذونه من وَسَائِل الْكسْب وطرق الصناعات فَهُوَ موكول لمعارفهم وتجاربهم وَلَا حظر عَلَيْهِم فِيهِ مَا دَامَت الشَّرَائِع مرعية والفضائل محمية وَمَا حَكَاهُ الله من قصَّة آدم وعصيانه بِالْأَكْلِ من الشَّجَرَة فمهما خفى فِيهِ سر النهى عَن الْأكل والمؤاخذة عَلَيْهِ وَغَايَة مَا علمناه من حكمته أَنه كَانَ سَببا لعمارة الأَرْض ببنى آدم كَأَن النهى وَالْأكل رمزان إِلَى طورين من أطوار آدم ﵇ أَو مظهران من مظَاهر النَّوْع الإنسانى فى الْوُجُود وَالله أعلم وَمن الْعسر إِقَامَة الدَّلِيل العقلى أَو إِصَابَة دَلِيل شرعى يقطع بِمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور