وَمِمَّا يجب لَهُ صفة الْعلم وَيُرَاد بِهِ مَا بِهِ انكشاف شىء عِنْد من ثبتَتْ لَهُ تِلْكَ الصّفة أى مصدر ذَلِك الانكشاف مِنْهُ لِأَن الْعلم من الصِّفَات الوجودية الَّتِى تعد كمالا فِي الْوُجُود وَيُمكن أَن تكون للْوَاجِب وكل مَا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يثبت لَهُ فَوَاجِب الْوُجُود عَالم
[ ١٩ ]
ثمَّ البداهة قاضية بِأَن الْعلم كَمَال فِي الموجودات الممكنة وَمن الممكنات من هُوَ عَالم فَلَو لم يكن الْوَاجِب عَالما لَكَانَ فِي الموجودات الممكنة مَا هُوَ أكمل من الْمَوْجُود الْوَاجِب وَهُوَ محَال كَمَا قدمنَا ثمَّ هُوَ واهب الْعلم فِي عَالم الْإِمْكَان وَلَا يعقل أَن مصدر الْعلم يفقده
علم الْوَاجِب من لَوَازِم وجوده كَمَا ترى فيعلو على الْعُلُوم علو وجوده عَن الوجودات فَلَا يتَصَوَّر فِي الْعُلُوم مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فَيكون محيطا بِكُل مَا يُمكن علمه وَإِلَّا تصور الْعقل علما اشمل وَهُوَ إِنَّمَا يكون لوُجُود أكمل وَهُوَ محَال
مَا هُوَ لَازم لوُجُود الْوَاجِب يغنى بغناه وَيبقى بِبَقَائِهِ وَعلم الْوَاجِب من لَوَازِم وجوده فَلَا يفْتَقر إِلَى شَيْء مَا وَرَاء ذَاته فَهُوَ أزلى أبدى غنى عَن الْآلَات وجولات الْفِكر وأفاعيل النّظر فيخالف عُلُوم الممكنات بِالضَّرُورَةِ
مَا يُوجد من الممكنات فَهُوَ مُوَافق لما انْكَشَفَ بذلك الْعلم وَإِلَّا لم يكن علما
من أَدِلَّة ثُبُوت الْعلم للْوَاجِب مَا نشاهده فِي نظام الممكنات من الإحكام والإتقان وَوضع كل شىء فِي مَوْضِعه وَقرن كل مُمكن بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي وجوده وبقائه وَذَلِكَ ظَاهر لجلى النّظر بِمَا يُشَاهد فِي الْأَعْيَان كبيرها وصغيرها علويها وسفليها فَهَذِهِ الروابط بَين الْكَوَاكِب وَالنّسب الثَّابِتَة بَينهَا وتقديرحركاتها على قَاعِدَة تكفل لَهَا الْبَقَاء على الْوَضع الذى قدر لَهَا وإلزام كل كَوْكَب بمدار لَو خرج مِنْهُ لاختل نظام عالمه أَو الْعَالم بأسره وَغير ذَلِك مِمَّا فصل فِي عُلُوم الْهَيْئَة الفلكية كل ذَلِك يشْهد بِعلم صانعه وَحِكْمَة مُدبرَة
اعْتبر بِمَا ترَاهُ جزئيات النباتات والحيوانات من توفيتها قواها وإيتائها مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَقْوِيم وجودهَا من الْآلَات والأعضاء وَوضع ذَلِك فِي موَاضعه من أبدانها وإيداع غير الحساس مِنْهَا كالنبات قُوَّة الْميل إِلَى تنَاول مَا يُنَاسِبه من الْغذَاء دون مَا يلائمه فترى بزْرَة الحنظل تدفن بجوار حَبَّة الْبِطِّيخ فِي أَرض وَاحِدَة ثمَّ تسقى بِمَاء وَاجِد وتنمى بعناية وَاحِدَة وَلَكِن تِلْكَ تمتص من الْموَاد مَا يغذى المر الزعاق وَهَذِه تتَنَاوَل مَا يغذى حُلْو المذاق وإرشاد الحساس مِنْهَا
[ ٢٠ ]
إِلَى اسْتِعْمَال مَا منح من تِلْكَ الأدوات والأعضاء وسوق كل قُوَّة من قواه إِلَى مَا قدرت لَهُ فَهُوَ الذى يعلم حَالَة الْجَنِين وَهُوَ نُطْفَة أَو علقَة وَيعلم حَاجته مَتى تَكَامل خلقه وأنشأه نشأة الحى المستقل فى عمله إِلَى الأيدى والأرجل والأعين والمشام والآذان وَبَقِيَّة المشاعر الْبَاطِنَة ليستعمل ذَلِك فِيمَا يُقيم وجوده وَبَقِيَّة من العوادى عَلَيْهِ وَحَاجته إِلَى الْمعدة وَالْقلب والكبد والرئة وَنَحْوهَا من الْأَعْضَاء الَّتِى لَا غنى عَنْهَا فِي النمو والبقاء إِلَى الْأَجَل الْمَحْدُود للشَّخْص أَو للنوع
هُوَ الذى يعلم حَالَة الجروة من الْكلاب مثلا وَأَنَّهَا مَتى كَبرت تَلد أَجزَاء مُتعَدِّدَة فيمنحها أطباء متكثرة وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُسْتَطَاع إحصاؤه وَقد فصل الْكثير مِنْهُ فِي كتب النباتات وحياة الْحَيَوَان وَمَا يُسمى التَّارِيخ الطبيعى وفنون مَنَافِع الْأَعْضَاء والطب وَمَا يتبعهُ على أَن الباحثين فِي كل ذَلِك بعد مَا بذلوا من الْجهد وماصرفوا من الهمم وَمَا كشفوا من الْأَسْرَار لم يزَالُوا فِي أول الْبَحْث
هَذَا الصَّنِيع الذى إِنَّمَا تتفاضل الْعُقُول فى فهم أسراره وَالْوُقُوف على دقائق حكمه أَلا يدل على أَن مصدره هُوَ الْعَالم بِكُل شىء الذى أعْطى كل شىء خلقه ثمَّ هدى هَل يُمكن لمُجَرّد الِاتِّفَاق الْمُسَمّى بِالصَّدَقَةِ أَن يكون ينبوعا لهَذَا النظام وواضعا لتِلْك الْقَوَاعِد الَّتِى يقوم عَلَيْهَا وجود الأكوان عظيمها وحقيرها كلا بل مبدع ذَلِك كُله هُوَ من لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فى السَّمَاء وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم