يَقُول قَائِلُونَ إِذا كَانَ الْإِسْلَام إِنَّمَا جَاءَ لدَعْوَة الْمُخْتَلِفين إِلَى الإتفاق وَقَالَ فى كِتَابه إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فى شىء فَمَا بَال الْملَّة الإسلامية قد مزقتها المشارب وَفرقت بَين طوائفها الْمذَاهب إِذا كَانَ الْإِسْلَام موحدا فَمَا بَال الْمُسلمين عددوا إِذا كَانَ موليا وَجه العَبْد وجهة الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَمَا بَال جمهورهم يولون وُجُوههم من لَا يملك لنَفسِهِ نفعا وَلَا ضرا وَلَا يَسْتَطِيع من دون الله خيرا وَلَا شرا وكادوا يعدون ذَلِك فصلا من فُصُول الوحيد إِذا كَانَ أول دين خَاطب الْعقل وَدعَاهُ إِلَى النّظر فى الأكوان
[ ١٠١ ]
وَأطلق لَهُ الْعَنَان يجول فى ضمائرها بِمَا يسمعهُ الْإِمْكَان وَلم يشرط عَلَيْهِ فى ذَلِك سوى الْمُحَافظَة على عقد الْإِيمَان فَمَا بالهم قنعوا باليسير وَكثير مِنْهُم أغلق على نَفسه بَاب الْعلم ظنا مِنْهُ أَنه قد يرضى الله بِالْجَهْلِ وإغفال النّظر فِيمَا أبدع من مُحكم الصنع مَا بالهم وَقد كَانُوا رسل الْمحبَّة أَصْبحُوا الْيَوْم وهم يتنسمونها لَا يجدونها مَا بالهم بعد أَن كَانُوا قدوة فِي الْجد وَالْعَمَل أَصْبحُوا مثلا فى الْقعُود والكسل مَا هَذَا الذى ألحق المسملون بدينهم وَكتاب الله بَينهم يُقيم ميزَان الْقسْط بَين مَا ابتدعوه وَبَين مَا دعاهم إِلَيْهِ فَتَرَكُوهُ إِذا كَانَ الْإِسْلَام فى قربه من الْعُقُول والقلوب على مَا بيّنت فَمَا باله الْيَوْم على رأى الْقَوْم تقصر دون الْوُصُول إِلَيْهِ يَد المتناول إِذا كَانَ الْإِسْلَام يدعوا إِلَى البصيرة فِيهِ فَمَا بَال قراء الْقُرْآن لَا يقرءونه إِلَّا تغَنِّيا وَرِجَال الْعلم بِالدّينِ لَا يعرفهُ أغلبهم إِلَّا تظنيا
إِذا كَانَ الْإِسْلَام منح الْعقل والإرادة شرف الِاسْتِقْلَال فَمَا بالهم شدوهما إِلَى أغلال أَي أغلال إِذا كَانَ قد أَقَامَ قَوَاعِد الْعدْل فَمَا بَال أغلب حكامهم يضْرب بهم الْمثل فى الظُّلم إِذا كَانَ الدّين فى تشوف إِلَى حريَّة الأرقاء فَمَا بالهم قضوا قرونا فى استعباد الْأَحْرَار إِذا كَانَ الْإِسْلَام يعد من أَرْكَانه حفظ العهود والصدق وَالْوَفَاء فَمَا بالهم قد فاض بَينهم الْغدر وَالْكذب والزور والافتراء إِذا كَانَ الْإِسْلَام يحظر الغيلة وَيحرم الخديعة ويوعد على الْغِشّ بِأَن الغاش لَيْسَ من أَهله فَمَا بالهم يحتالون حَتَّى على الله وشرعه وأوليائه إِذا كَانَ قد حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن فَمَا هَذَا الَّذِي نرَاهُ بَينهم فِي السِّرّ والعلن وَالنَّفس وَالْبدن إِذا كَانَ قد صرح بِأَن الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ خاصتهم وعامتهم وَإِن الْإِنْسَان لفى خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتواصو بِالصبرِ وَأَنَّهُمْ إِن لم يأمروا بِالْمَعْرُوفِ وينهوا عَن الْمُنكر سلط عَلَيْهِم شرارهم فيدعو خيارهم فَلَا يُسْتَجَاب لَهُم وشدد فى ذَلِك بِمَا لم يشدد فى غَيره فَمَا بالهم لَا يتناصحون وَلَا يتواصون بِحَق وَلَا يعتصمون بصبر وَلَا يتناصحون فى خير وَلَا شَرّ بل ترك كل صَاحبه وَألقى حبله على غاربه فعاشوا أفذاذا وصاروا فى أَعْمَالهم أفرادا لَا يحس أحدهم بِمَا يكون من عمل أَخِيه كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَكَأن لم تجمعه مَعَه صلَة وَلم تضمه
[ ١٠٢ ]
إِلَيْهِ وشيجة مَا بَال الْأَبْنَاء يقتلُون الْآبَاء وَمَا بَال الْبَنَات يعققن الْأُمَّهَات أَيْن وشائج الرَّحْمَة ايْنَ عاطفة الرَّحِم على الْقَرِيب أَيْن الْحق الذى فرض فى أَمْوَال الْأَغْنِيَاء للْفُقَرَاء وَقد اصبح الْأَغْنِيَاء يسلبون مَا بقى فى ايدى أهل البأساء
قبس من الْإِسْلَام أَضَاء الغرب كَمَا تَقول وضوءه الْأَعْظَم وشمسه الْكُبْرَى فى الشرق وَأَهله فى ظلمات لَا يبصرون أصبح هَذَا فى عقل أَو عهد فى نقل ألم تَرَ إِلَى الَّذين تذوقوا من الْعلم شَيْئا وهم من أهل هَذَا الدّين أول مَا يعلق بأوهام أَكْثَرهم أَن عقائده خرافات وقواعده وَأَحْكَامه ترهات ويجدون لذتهم فى التَّشَبُّه بالمستهزئين مِمَّن سموا أنفسهم أَحْرَار الأفكار وبعداء الأنظار وَإِلَى الَّذين قصروا هممهم على تصفح أوراق من كتبه ووسموا أنفسهم بِأَنَّهُم حفاظ أَحْكَامه والقوام على شرائعه كَيفَ يجافون عُلُوم النّظر ويهزءون بهَا ويرون الْعَمَل فِيهَا عَبَثا فى الدّين وَالدُّنْيَا ويفتخر الْكثير مِنْهُم بجهلها كَأَنَّهُ فى ذَلِك قد هجر مُنْكرا وترفع عَن دنيئة فَمن وقف على بَاب الْعلم من الْمُسلمين يجد دينه كَالثَّوْبِ الْخلق يستحى أَن يظْهر بِهِ بَين النَّاس وَمن غرته نَفسه بِأَنَّهُ على شىء من الدّين وَأَنه مستمسك بعقائده يرى الْعقل جنَّة وَالْعلم ظنة أَلَيْسَ فى هَذَا مَا يشْهد الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على أَن لَا وفَاق بَين الْعلم وَالْعقل وَهَذَا الدّين