إن الإيمان مسئولية كل إنسان مكلف وقضية الإيمان هي القضية الكبرى في حياة الإنسان وهي القضية التي تحدد مصيره وجزاءه ومن هذا كله نخرج بحقيقة واضحة هي أن الإيمان برحمة الله وعدله وفضله ميسر للناس كلهم.
فالإيمان إذن قضية إنسانية عامة وهي مسئولية كل إنسان هيأ الله أسباب بلوغها لكل إنسان مكلف في الحياة الدنيا وهو محاسب عن ذلك يوم القيامة بين يدي الله ويغفر الله لمن يشاء من عباده ما شاء من ذنوبهم التي يموتون عليها إلا الشرك فمن مات عليه فلا يغفر الله له ذلك أبدا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨ [(١).
_________________
(١) التوحيد وواقعنا المعاصر ص / ٨٣ - ٨٤.
[ ٦١ ]
ولقد جعل الله سبحانه المحاسبة على النية من أمره هو يحاسب عليها لأنه هو وحده يعلمها ولا مجال للناس أن تشق صدور الخلق لتعرف ما تطويه الصدور ولكن هذا لا يتعارض مع واجب مطالبة الإنسان أن يكون لنيته أمارات تصدقها فيما يتعلق بحقوق العباد وبأداء الواجبات وبالخضوع لشرع الله (١).
- قال شيخ الإسلام﵀- بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل .. قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر، الآيتان: ٢:١].
والسورة كلها عامتها في هذا المعنى كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ١٢،١١ [(٢).
- وقال ابن القيم﵀- ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإخلاص قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
_________________
(١) التوحيد وواقعنا المعاصر ص / ٢٣٧.
(٢) الفتاوي جـ / ١٠ص / ٤٩.
[ ٦٢ ]
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة، الآية: ٥]. وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة الملك، الآية ٢]. قال الفضيل ابن عياض: هو أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوبًا، والخالص أن يكون لله والصواب خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ١١٠ [(١).
وإذا نظرنا إلى من لم يحقق الإخلاص في أعماله نجد أن تلك الأعمال لا تقبل عند الله بل تكون وبالا عليه كما بين ذلك المصطفى ﵇.
ففي الحديث عن أبي موسى - ﵁ - قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل
_________________
(١) مدارج السالكين جـ / ٢ص / ٩٣.
[ ٦٣ ]
الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١).
وفي الحديث القدسي أن أول الناس يقضى يوم القيامة عليهم وهم رجل استشهد ورجل تعلم القرآن والأخير رجل منفق وكلهم يقال لكل واحد منهم: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو كذا فقد قيل ثم يؤمر به فيسحب على وجهه ثم يلقى في النار (٢).
وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه غيري للذي أشرك به وأنا منه بريء».
وفي أثر آخر يقول له يوم القيامة اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر لك عندنا.
- وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
- وقال الجنيد: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب ١٥ح رقم / ٢٨١٠جـ / ٦ص / ٢٧.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الامارة باب ٤٣ح رقم / ١٩٠٥ جـ١٣ص / ٧٥.
[ ٦٤ ]
ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.
- والإخلاص كما قال ابن القيم: تصفية العمل من كل الشوائب (١).
والنية هي الخطوة الأولي في الممارسة الإيمانية وهي ركن الشعائر التعبدية وهي محور صلاح عمل الإنسان كله ومنطق السعي المقبول عند الله وقاعدة للأجر والثواب.
والنية النابعة من التوحيد هي التي توزع الري على طاقات الفطرة حتى تحفظ فيها الموازنة الأمينة العادلة، وبالتوحيد وبالنية النابعة منه تكون كل الأعمال موافقة لشرع الله ومقبولة عنده سبحانه وإن النية النابعة من التوحيد تظل طاهرة مشرقة عاملة بالخير كابحة للشر.
هذا هو دور التوحيد، الدور العظيم في حياة ابن آدم يصحح نيته، ويلجم هواه، ويطلق سعيه المبارك إلى الخير والصلاح، هذا هو الدور العظيم للتوحيد في أول خطوة من خطوات الممارسة الإيمانية (٢).
ولا شك أن الإنسان إذا أخلص في أعماله لا شك أنها مقبولة عند الله تعالى كما مر معنا أن من شروط قبول العبادة الإخلاص والمتابعة.
* * *
_________________
(١) انظر مدارج السلكين جـ / ٢ص / ٩٤ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر التوحيد وواقعنا المعاصر ص / ٢٤٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٦٥ ]