بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي خلق العباد لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده، لا شريك له في رُبوبيته، وإلاهِيَّته، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله ﷺ، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبع سَبِيله ودَعَا بِدَعْوَتهِ، وسَلِّم تَسْلِيمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين.
وبعد:- فهذه نَبْذَهٌ يسيرة تُبَيِّن للمُسْلم العقيدة السَّلفية النَّقية عن كل ما يشُوبها من خُرَافة وبِدْعة، عقيدة أهل السُّنة والجمَاعة من سَلَفِ هذه الأُمَّة، من الصَّحابة والتَّابعين، ومن بعدهم من مُحَقِّقي العلماء الذين أجمع المسلمون على هِدَايتهم، ودِرَايتهم من السَّابقين الأَوَّلِين من المهاجرين والأنصار، والَّذين اتَّبعوهم بإحسان.
* * *
[ ١٥ ]
* اعلم أن التَّوحيد الذي دلَّ عليه القرآن والسُّنة، وأجمع عليه سَلَفُ الأمَّة، ثَلاثَةُ أقْسَام:
١ - تَوحِيدُ الرُّبوبية. ٢- تَوحِيدُ الأُلوهية. ٣- تَوحِيدُ الأَسماء والصِّفات.
[ ١٦ ]
فصل
في بيان توحيد الرُّبوبية
* أَمَّا تَوحيد الرُّبوبية، فقد اعترف به المُشْرِكُون الَّذين بُعِثَ فيهم رَسُول الله ﷺ، ولم يُدْخِلْهم في الإسلام، فهم مُقِرُّون بأنَّ الله هو الخالق الرَّازق، المُحْيي المُميت، المُتَصَرِّف في هذا العالم بما تَقْتَضِيه حِكْمَتُه وإرَادَتُه، ومجرد الاعتراف بهذا لا يكون به الإنسان مُسْلمًا، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ . [يونس: ٣١] .
أي: أَفَلا تُفْرِدُونَه بالعِبَادة، وتَتْركُون عِبَادة مَا سِوَاه.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] أي: مَنْ ذا الَّذي يُنْزِل
[ ١٧ ]
من السَّماء ماء المطر، فَيَشُق الأرض شَقًّا بِقُدْرته، ومَشِيئته، فيخرج منها حَبًّا، وعِنَبًا وقَضْبًا، وَزَيتونًا ونخلًا، وحدائق غُلْبًا، وفَاكِهَةً وَأبًّا، أإله مع الله؟ فسيقولون الله.
وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] أي الَّذي وَهَبَكُم هذه القوة السَّامعة، والقوة البَاصِرة، ولو شاء لذهب بها، ولسَلَبَكُم إيَّاها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ . [الملك: ٢٣] .
وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ . الآية [الأنعام: ٤٦] .
وقوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] بقدرته العظيمة، ومِنَّته العَمِيمة.
[ ١٨ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣١]: أي مَنْ بيده مَلَكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المُتصَرِّف الحاكم الذي لا مُعَقِّب لِحُكْمِه، ولا يُسْأَل عما يَفعل وهم يُسألون. ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فالمُلكُ كله العلوي والسُّفلي، وما فيهما من ملائكة وإنسٍ وجان، فقيرون إليه عبيد له، خَاضعون لَدَيه ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] أي وهم يعلمون ذلك، ويَعْترفون به، ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجَهْلكم، فكثيرًا مما يحتجُّ ﷾ على المشركين، بما اعترفوا به من توحيد الرُّبوبيَّة على ما أَنكروه من توحيد الأُلوهية، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ .
[ ١٩ ]
[المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] .
* وتوحيد الرُّبوبية، قد فُطِرت على قُبوله، والاعتراف به قُلوب بني آدم، فلم يُنكره إلَّا شُذَاذ قَليلون، من بني آدم، فَفِرْعَون القائل: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، والقائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] مُعتَرف في نفس الأمر بوجود الخالق المُوجد لهذا العالم، كما حكى الله عنه، في قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وفيما حكى الله عن نبيه موسى ﵇ في قوله لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] .
* * *
[ ٢٠ ]
فصل