قال في "كتاب الصّلاة": «وشعب الإيمان قسمان: قوليّة، وفعليّة، وكذلك شُعَبُ الكفر نوعان: قوليّة وفعليّة، ومن شعَبِ الإيمان القوليَّة: شعبةٌ يوجب زوالها زوالَ الإيمان فكذلك من شعبِهِ الفعليّة ما يوجب زوالَ الإيمان. وكذلك شعبُ الكفر القوليَّة والفعليَّة، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبةٍ من شُعبه كالسُّجود للصَّنم، والاستهانَة بالمصحفِ، فهذا أصل.
وها هنا أصلٌ آخرُ، وهو أنَّ حقيقة الإيمان مركَّبةٌ من قولٍ وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيَّته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالَت هذه الأربعة، زالَ الإيمانُ بكمالِه، وإذا زالَ تصديقُ القلب، لم تنفع بقيَّة الأجزاء، فإنَّ تصديقَ القلب شرطٌ في اعتقادها وكونها نافِعةً. وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق، فهذا موضعُ المعركة بين المرجئة وأهل السُّنة، فأهلُ السُّنة مجمعون على زوالِ الإيمان، وأَنَّه لا ينفع التَّصديق مع انتفاءِ عملِ القلب، وهو محبَّته وانقياده كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدقَ الرَّسول، بل ويقرُّون به سرًّا وجهرًا ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتَّبعه، ولا نؤمن به.
وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكرٍ أَنْ يزولَ بزوالِ أعظم أعمالِ الجوارح (٢)، ولا سيَّما إذا كان ملزومًا لعدم محبَّة القلب وانقياده الذي هو ملزومٌ لعدم التَّصديق الجازم كما تقدَّم تقريره،
_________________
(١) انظر: "بهجة الحاوي" (ص ١٩١) دار إحياء الكتب العربية. ط١٣٥١هـ. وهي قصيدة من خمسة آلاف بيت في الفقه الشافعي، ولها شروح كثيرة أشهرها "الغرر البهية شرح البهجة الوردية" لزكرّيا الأنصاري.
(٢) هذا تقرير ضمنيّ منه ﵀، بأنّ بعض أعمال الجوارح كالصّلاة شرطٌ في صحّة الإيمان كأعمال القلوب يزول الإيمان بزوالها.
[ ٦٠ ]
[[فإِنَّه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذْ لو أطاع القلب وانقاد، أطاعت الجوارح، وانقادت، ويلزمُ من عدم طاعته وانقياده عدم التّصديق المستلزم للطَّاعة، وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس مجرَّد التَّصديق كما تقدَّم بيانه، وإِنَّما هو التَّصديق المستلزِم للطَّاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرَّد معرفة الحقِّ وتبيُّنه، بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه، والعمل بموجبه، وإِنْ سمِّي الأوَّل هدى، فليس هو الهدى التّامّ المستلزم للاهتداء، كما أَنَّ اعتقاد التَّصديق، وإِنْ سُمِّي تصديقًا، فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته» (١) .]] (*)
[[وقال في "النونية" منكرا على المرجئة الجهمية
«وكذلك الإرجاء حين تقر بالمعبود تصبح كامل الإيمان
فارم المصاحف في الحشوش وخرب البيت العتيق وجد في العصيان
واقتل إذا ما اسطعت كل موحد وتمسحن بالقس والصلبان
واشتم جميع المرسلين ومن أتوا من عنده جهرا بلا كتمان
وإذا رأيت حجارة فاسجد لها بل خر للأصنام والأوثان
وأقر أن الله ﷻ هو وحده الباري لذي الأكوان
وأقر أن رسوله حقا أتى من عنده بالوحي والقرآن
فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا وزر عليك وليس بالكفران
هذا هو الإرجاء عند غلاتهم من كل جهمي أخي الشيطان»]] (**)
وقال في "أعلام الموقعين": «وقد تقدَّم أَنَّ الذي قال لمَّا
_________________
(١) انظر "كتاب الصلاة" (ص ٥٣، ٥٤) (المكتب الإسلامي)، ط١ - ١٤٠١هـ. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة:الكلام بين المعكوفين في النسخة الإلكترونية على موقع الدرر السنية - بإشراف الشيخ المؤلف - وليس في المطبوع (**) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة:الكلام بين المعكوفين موجود في المطبوعة، وليس موجودا في النسخة الإلكترونية على موقع الدرر السنية - بإشراف الشيخ المؤلف وعلّق المؤلف في الحاشية على أبيات ابن القيم بقوله: انظر "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية مع شرح ابن عيسى: "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" (٢ / ١١٧) المكتب الاسلامي ط ٢-١٣٩٢ هـ. وقال الشارح تعليقًا على الناظم: «شرع الناظم في بيان ما تقضيه جيم الإرجاء، وهو أن عندهم إذا أقر الانسان بأن الله وحده هو الخالق، وأن رسوله حق أتى من عند الله، فهذا هو الإيمان عندهم وإن فعل ما فعل فهو ذنب ووزر وليس بكفر. قوله: فارمِ المصاحف في الحشوش، وخرب البيتَ العتيقَ، واقتل إن استطعت الموحدين، واشتم جميع المرسلين، واسجد للأصنام، ولا يضرك ذلك، إذا أقررت بأن الله الخالق وأن رسوله ﷺ حق فهذا هو الإرجاء عند غلاة الجهمية» قلت: هذا تقرير من الناظم والشارح أن هذه الأفعال كفر وإن اعتقد أو أقر بالشهادتين، بل جعلاه من إرجاء غلاة الجهمية.
[ ٦١ ]
وجد راحلته اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك أخطأ من شدَّة الفرح لم يكفر بذلك وإِنْ أتى بصريح الكفر لكونه لم يُرِدْه والمُكْرَه على كلمةِ الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته بخلاف المستهزئ والهازل فإنَّه يلزمه الطلاق والكفر وإِنْ كان هازلًا لأَنَّه قاصد للتكلُّم باللفظ وهزله لا يكونُ عذرًا له بخلاف المُكْره والمخطئ والنَّاسي فإِنَّه معذور مأمور بما يقولَه أو مأذونٌ له فيه والهازل غير مأذونٍ له في الهزل بكلمة الكفر والعقود فهو متكلِّم باللفظ مُريدٌ له ولم يصرفه عن معناه إكراهٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ ولا جهلٌ والهزل لم يجعله الله ورسولَه عذرًا صارفًا بل صاحبه أحقُّ بالعقوبة ألا ترى أنَّ الله تعالى عذر المكره في تكلُّمه بكلمةِ الكفر إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان ولم يعذَر الهازلُ بل قال: ﴿وَلئِنْ سَأَلْتَهُمْ ليَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾» (١) .