«ومن العَجَبِ أَنَّ الخصوم من البهاشمة (٣) وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى الَّذين قالوا إِنَّ الله ثالثُ ثلاثةٍ ومن قال بقولهم مع نصِّ القرآن على كفره إلاَّ بشرط أَنْ يعتقدوا ذلك مع القول وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله ﴿ولكنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرًا﴾ وعلى هذا لا يكون شيءٌ من الأفعال والأقوال كفرًا إلاَّ مع الاعتقاد حتى قتل الأنبياء، والاعتقاد من السَّرائر المحجوبة فلا يتحقَّق كفرُ كافرٍ قطُّ إلاَّ بالنَّصِّ الخاصِّ في شخصٍ شخص قال جماعة جلَّة من علماء الإسلام أَنَّه لا يكفرُ المسلم بما ينْدُرٌ منه من ألفاظ الكفر إلاَّ أَنْ
_________________
(١) انظر: " تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام " (٢/١٩٢) دار الكتب العلمية مصوَّر من المطبعة الشرقية بمصر ط١ - ١٣٠١هـ. ونقله لكلام ابن الحاجب دون تعقيب دليل على أنَّه يرتضيه.
(٢) "الفتاوى البزازية على حاشية الفتاوى الهندية" (٦/٣٣٧) . طبعة بولاق ط٢ - ١٣١٠هـ، تصوير دار الفكر ط١٤١١هـ.
(٣) أصحاب أبي هاشم الجبائي المعتزلي.
[ ٦٧ ]
يعلم المتلفِّظ بها أَنَّها كفر وهذا خلاف متَّجه، بخلاف قول البهاشمة: لا يكفر وإِنْ عَلِمَ أَنَّه كفرٌ حتَّى يعتقده (١)
قد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم فقالوا هذه الآية تدل على أَنَّ من لم يعتقد الكفرَ ونطقَ بصريحِ الكفر وبسَبِّ الرُّسُل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبِهم من غير إكراهٍ وهو يعلم أَنَّ ذلك كفرٌ أَنَّه لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في "كشافه" فإِنَّه فسَّر شرح الصدر بطيب النَّفس بالكفر وباعتقاده معًا واختاره الإمام يحيى ﵇ والأمير الحسين بن محمَّد.
وهذا كلُّه ممنوع لأمرين أحدهما معارضة قولهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ فقضى بكفرِ من قال ذلك بغير شرط (٢) فخرج المُكْرَهُ بالنَّصِّ (٣) والإجماع وبقي غيرُه فلو قال مكلَّفٌ مختارٌ غير مُكْرَهٍ بمقالة النَّصارى التي نصَّ القرآن على أَنَّها كفرٌ ولم يعتقد صِحَّة ما قال لم يكفِّروه مع أَنَّه لعلمه بقُبْحِ قولِه يجب أَنْ يكون أعظم إِثْمًا من بعض الوجوهِ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فعكسوا وجعلوا الجاهلَ بذنبِه كافرًا والعالِمَ الجاحدَ بلسانِه مع علمه مسلمًا.
الأمر الثاني: أَنَّ حجَّتهم دائرةٌ بين دلالتين ظنِّيَتَين قد اختلف
_________________
(١) إذًا هناك فرقٌ بين اشتراط العلم بأنها كفر لينتفيَ مانع الجهل، وبين اشتراط الاعتقاد.
(٢) أي بغير شرط الاعتقاد أو التكذيب أو نحو ذلك.
(٣) أي بقوله تعالى ﴿إلاَّ مَنْ أُكْرِه﴾ .
[ ٦٨ ]
فيهما في الفروع الظنية.إحداهما: قياسُ العامد على المُكْرَه والقطعُ على أَنَّ الإِكراهَ وصفٌ مَلْغِيٌّ مثل كون القائل بالثَّلاثة نصرانيًَّا وهذا نازلٌ جدًَّا ومثله لا يُقْبَلُ في الفُروع الظَّنِّيَّة. وثانيتهما: عموم المفهوم ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صَدْرًَا﴾ فإِنَّه لا حُجَّة لهم في منطوقها قطعًا وفاقًا؛ وفي المفهوم خلافٌ مشهورٌ هل هو حجَّة ظنِّيَّة مع الاتفاق على أَنَّه هنا ليس بحجَّة قطعيَّة ثم في إثبات عمومٍ له خلافٌ وحجَّتهم هنا من عمومه أيضًا وهو أضعفُ منه. بيانه أَنَّ مفهوم الآية ومن لم يشْرَح بالكفر صدرًا فهو بخلاف ذلك سواءً قال كلمةَ الكفرِ بغيرِ إِكراهٍ أو قالها مع إكراهٍ فاحتُمِل أَنْ لا يدخل المختار بل رُجِّحَ أَنْ لا يدخل لأَنَّ سبب النُّزول في المُكْرَه والعموم المنطوق يضعفُ شمولَه بذلك ويختلف فيه فضعُفَ ذلك في الظَّنِّيَّات من ثلاث جهاتٍ. من كونه مفهومًا. وكونه عمومٌ مفهومٌ. وكونه على سببٍ مضادٍّ لمقصودهم» (١) .