فقد جمع رسالةً أسماها "الكلمات النَّافعة في المكفِّرات الواقعة" قال في أوَّلِها بعد الحمد:
«أمَّا بعد فهذه فصولٌ وكلماتٌ نقلتها من كلام العلماء المجتهدين من أصحاب الأئمَّة الأربعة الَّذين هم أئمة أهل السُّنَّة والدِّين، في بيان بعض الأفعال والأقوال المكفِّرة للمسلم المخرِجة له من الدِّين، وأَنَّ تلفُّظه بالشَّهادتين وانتسابه إلى الإسلام وعمله ببعض شرائعِ الدِّين لا يَمْنَع من تكفيره وقتله وإلحاقه بالمرتدِّين. والسبب الحامل على ذلك أَنَّ بعض من ينتسِب إلى العلم والفقه من أهل هذا الزمان غلِطَ في ذلك غلَطًا فاحشًا قبيحًا، وأنكر على من أفتى به من أهلِ العلم والدِّين إنكارًا شنيعًا، ولم يكن لهم بإنكارِ ذلك مستنَدٌ صحيحٌ لا من كلام الله ولا من كلام رسوله ولا من كلام أئمَّة العلم والدِّين » .
ثم نقل كلامًا كثيرًا لبعض الأئمَّة إلى أنْ قال:
«وقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب "الصَّارم المسلول على شاتم الرسول": قال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمَّة يُعدل
_________________
(١) "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" (٦/٢٧٥) . طبعة آل ثاني. ط٢ - ١٤١٥هـ.
[ ١٠٦ ]
بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أنَّ من سبَّ الله أو رسوله أو دفع شيئًا ممَّا أنزَل الله أنَّه كافرٌ بذلك وإنْ كان مُقِرًَّا بكلِّ ما أنزل الله. وقال محمَّد بن سحنون أحد الأئمَّة من أصحاب مالكٍ: أجمع العلماء على أَنَّ شاتمَ الرسول؟ كافرٌ، وحكمه عند الأئمَّة القتلُ، ومن شكَّ في كفره كفر. . انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسوله؟أو دفع شيئًا ممَّا أنزل الله فهو كافرٌ - وإنْ كان مُقِرًَّا بكلِّ ما أنزل الله - يتبيَّن لك أنَّ من تلفَّظ بلسانه بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسوله؟ فهو كافرٌ مرتدٌّ عن الإسلام، وإنْ أقرَّ بجميع ما أنزل الله، وإنْ كان هازلًا بذلك لم يقصد معناه بقلبِه، كما قال الشافعيّ ﵁: من هزل بشيءٍ من آيات الله فهو كافرٌ، فكيف بمن هزل بسبِّ الله تعالى أو بسبِّ رسولِه؟، ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم: من سبَّ الله كفر - مازحًا أو جادًا - لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: وهذا هو الصَّواب المقطوع به» .
ثم قال:
«وتأمَّل أيضًا قول الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكلام: ولا ريب أنَّ أصل قولِ هؤلاء هو الشِّرك الأكبر، والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتَّوبة منه، وأنَّ ذلك يستلزم الرِّدَّة عن الدِّين، والكفر بربِّ العالمين. كيف صرَّح بكفر من فعل هذا أو رِدَّته عن
[ ١٠٧ ]
الدِّين إذا قامت عليه الحجَّة من الكتاب والسُّنَّة، ثمَّ أصرَّ على فعل ذلك. وهذا لا ينازع فيه من عرف دينَ الإسلام الذي بعثَ الله به رسولَه محمَّدًا؟. والله أعلم» (١) .