قال في "الدِّفاع عن أهل السُّنَّة والاتِّباع":
«إذا تكلَّم بالكفر من غير إكراهٍ كفرٍ وإنْ كان قلبُه مطمئنًَّا بالإيمان كما أَنَّ من شرح بالكفر صدرًا كفر وإِنْ لم يتكلَّم» (١) .
وقال في رسالة "سبيل النجاة والفكاك":
«وفي أجوبة آل الشَّيخ رحمهم الله تعالى لمَّا سئلوا عن هذه الآية وعن قوله؟: (من جامَعَ المشركَ أو سكنَ معَه فهو مثلُه) (٢)، قالوا الجواب أَنَّ الآية على ظاهرها، أَنَّ الرَّجل إذا سمِع آياتِ الله يُكْفَر بها ويُسْتهزأُ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين بآيات الله من غيرِ إكراهٍ ولا إنكارٍ ولا قيامٍ عنهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره، فهو كافرٌ مثلهم، وإنْ لم يفعل فعلَهم، لأَنَّ ذلك يتضمَّن الرِّضا بالكفر، والرِّضا بالكفر كفرٌ، وبهذه الآية ونحوِها استدلَّ العلماءُ على أنَّ الرِّضا بالذَّنب كفاعله (٣)، فإن ادَّعى أَنَّه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه لأَنَّ الحكم بالظَّاهر، وهو قد أظهر الكفر
_________________
(١) "الدِّفاع عن أهل السُّنّة والاتِّباع" (ص ٢٦) . دار القرآن الكريم ط٢ - ١٤٠٠هـ.
(٢) رواه أبو داود في "الجهاد" باب: في الإقامة بأرض الشرك رقم (٢٧٨٧) والحاكم (٢/١٤١) بإسنادين ضعيفين. وحسَّنه الشيخ الألبانيّ بمجموع الطريقين. انظر " السلسلة الصحيحة " رقم (٢٣٣٠) .
(٣) كذا في الأصل. والأصوب أن يقال: "الرّضا بالذَّنب كفعله" أو " الرَّاضي بالذَّنب كفاعله ".
[ ١١٤ ]
فيكونُ كافرًا» (١) .
وقال فيها أيضًا:
«وأمَّا المسألة الثَّالثة وهي ما يُعذَرُ الرَّجل به على موافقةِ المشركين، وإظهارِ الطَّاعةِ لهم، فاعْلَم أنَّ إظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالاتٍ:
الحالة الثَّالثة: أنْ يوافقَهم في الظَّاهر مع مخالفتِه لهم في الباطن، وهو من وجهين: أحدهما أَنْ يفعلَ ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدِهم له، ويتهدَّدونه بالقتل فيقولون له إِمَّا أنْ توافقَنا وتظهِر الانقياد لنا وإلاَّ قتلناك، فإِنَّه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئنًَّا بالإيمان، كما جرى لعمَّار حين أنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ (٢)﴾، وكما قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٣)، فالآيتان دلَّتا على الحكم، كما نبَّه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.
الوجه الثاني: أَنْ يوافقَهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإِنَّما حمله على ذلك إِما طمعٌ في رئاسةٍ أو مالٍ أو مشحَّةٍ بوطنٍ أو عيالٍ أو خوفٍ ممَّا يحدث
_________________
(١) انظر "سبيل النَّجاة والفكاك" (ص٥٤) . دار القرآن الكريم ط٥ - ١٤٠٠هـ.
(٢) سورة النحل: ١٠٦.
(٣) سورة آل عمران: ٢٨.
[ ١١٥ ]
في المال، فإِنَّه في هذه الحال يكون مرتدًَّا ولا تنفعه كراهتُه لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١)﴾ فأخبر أَنَّه لم يحملهُم على الكفر الجهلُ أو بغضُه، ولا محبَّةُ الباطل، وإِنَّما هو أَنَّ لهم حظًَّا من حظوظ الدُّنيا فآثروه على الدِّين، هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله تعالى وعفا عنه» (٢) .