بعد أن فرغنا من تحقيق الكلام في حديث توسل عمر بالعباس - ﵁ - وبينا أنه ليس حجة للمخالفين بل هو عليهم، نشرع الآن في تحقيق القول في حديث الضرير، والنظر في معناه: هل هو حجة لهم أم عليهم أيضًا؟ فنقول:
أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا
[ ٦٨ ]
ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير"، وفي رواية: "وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك"، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ "وشفّعني فيه"" قال: ففعل الرجل فبرئ١.
يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء
_________________
(١) ١ أخرجه في المسند "٤/١٣٨" ورواه الترمذي "٤/٢٨١-٢٨٢" وابن ماجه "١/٤١٨" والطبراني في الكبير "٣/٢/٢" والحاكم "١/٣١٣" كلهم من طريق عثمان بن عمر "شيخ أحمد فيه": أن شعبة بن أبي جعفر المدني قال: سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان به وقال الرتمذي: "حسن صحيح غريب" وفي ابن ماجه عقبه: "قال أبو إسحاق: حديث صحيح" ثم رواه أحمد: ثنا شعبة به وفي الرواية الأخرى وتابعه محمد بن جعفر ثنا شعبة به. رواه الحاكم "١/٥١٩" وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقد أعله بعضهم كصاحب "صيانة الإنسان" وصاحب "تطهير الجنان ص ٣٧" وغيرهما بأن في إسناده أبي جعفر قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر ووليس الخطمي" فقالوا هو إذن الرازي وهو صدوق ولكنه سيئ الحفظ. قلت: ولكن هذا مفدوع بأنالصواب أن الخطمي نفسه. وهكذا نسبه أحمد في رواية "٤/١٣٨" وسماه في أخرى: "أبا جعفر المدني. وقد ورد هكذا في المعجم الصغير وكذلك سماه الحاكم والخطمي هذا لا الرازي هو المدني. وقد ورد هكذا في المعجم الصغير للطبراني وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضا. ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن خزيمة ويروي عن شعبة كما في إسناده هنا وهو صدوق وعلى هذا فلإسناد جيد لا شبهة فيه.
[ ٦٩ ]
بجاه النبي ﷺ أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.
وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:
أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي ﷺ ليدعو له، وذلك قوله: "أدعُ الله أن يعافيني"، فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه ﷺ، لأنه يعلم أن دعاءه ﷺ أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي ﷺ، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا: اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيرًا. ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.
ثانيًا: أن النبي ﷺ وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله ﷺ: "إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك". وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه ﷺ في الحديث الذي رواه
[ ٧٠ ]
عن ربه ﵎ أنه قال: "إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة" ١.
ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: "فادع" فهذا يقتضي أن الرسول ﷺ دعا له، لأنه ﷺ خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه ﷺ دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي ﷺ الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمرهأن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله ﷾ يقدمها بين يدي دعاء النبي ﷺ له، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ كما سبق.
وهكذا فلم يكتف الرسول ﷺ بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها
طاعة لله ﷾ وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله ﷾، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في "المصباح/٢٤": "وإن شئتَ دعوتُ". أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره.
_________________
(١) ١ رواه البخاري عن أنس وهو مخرج في "الصحيحة ٢٠١٠" - مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
[ ٧١ ]
قلت: هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه ﷺ أن يدعو له، لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله ﷺ له: "وإن شئت دعوت" جوابًا على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري لم يتعرض لتفسير قوله في آخره: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه" لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه ﷺ كما بيناه فيما سلف.
ثم قال: "ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره" قلت: وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه ﷺ لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه ﷺ بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.
رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ إياه أن يقول: "اللهم فشفعه في" ١ وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته ﷺ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته ﷺ في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له ﷺ ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم
_________________
(١) ١ هذه الجملة هي عند أحمد أيضا والحاكم وغيرهما وإسناده صحيح.
[ ٧٢ ]
يشفع غيره، قال في "لسان العرب":
"الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه".
فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه ﷺ لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: "وشفعني فيه" ١ أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة
_________________
(١) ١ هذه الجملة صحت في الحديث أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهي وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل كما ذهب إليه بعض المؤلفين حديثا والظاهر أنهم علموا ذلك ولهذا لم يوردوا هذه الجملة مطلقا الأمر الذي يدل على مبلغ أمانتهم في النقل. وقريب من هذا أنهم أوردوا الجملة التي قبلها "اللهم فشفعه" في من الأدلة على التوسل بالذات وأما توضيح دلالتها على ذلك فما لم يتفضلوا به على القراء ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه!
[ ٧٣ ]
تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.
سادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه ﷺ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على ان السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ﷺ. ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصًا إليه تعالى، منيبًا إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدًا.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي ﷺ وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه ﷺ، بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحدًا قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته ﷺ إلى اليوم.
إذا تبين للقارىء الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: "اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ" إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي
[ ٧٤ ]
أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ "جاه" نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ"ذات" ك أو "مكانت" ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ "دعاء" نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ "دعاء" ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح احد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم "بجاهه" فليس لهم عليه دليل لا من هذه الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.
أما تقديرنافيقوم عليه أدلة كثيرة، تقدمت في الوجوه السابقة.
وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه" وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.
على أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته ﷺ، فيكون حكمًا خاصًا به ﷺ، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه ﷺ سيدهم وأفضلهم
[ ٧٥ ]
جميعًا، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب.
دفع توهم:
هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي ﷺ، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كما افترى علينا الدكتور البوطي في كتابه "فقه السيرة" "ص٣٥٤" فقال ما نصه: فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﷺ بعد وفاته كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديرًا لرسول الله ﷺ، وأكثرهم حبًا له، واعترافًا بفضله ﷺ، وإن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب أعداء الدعوة السلفية على هذه الدعوة وعلى أصحابها، حتى يحملهم على أن يركبوا هذا المركب الخطر الصعب، ويقترفوا هذه الجريمة البشعة النكراء، ويأكلوا لحوم إخوانهم المسلمين، ويكفروهم دونما دليل، اللهم إلا الظن الذي هو أكذب الحديث، كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم١.
ولا أدري كيف سمح هذا المؤلف الظالم لنفسه أن يصدر مثل
_________________
(١) ١ رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄.
[ ٧٦ ]
هذا الحكم الذي لا يستطيع إصداره إلا الله ﷿، المطلع وحده على خفايا القلوب ومكنونات الصدور، ولا تخفى عليه خافية.
أتراه لا يعلم جزاء من يفعل ذلك، أم إنه يعلم، ولكنه أعماه الحقد الأسود والتحامل الدفين على دعاة السنة؟ أي الأمرين كان فإننا نذكره بهذين الحديثين الشريفين لعله ينزجر عن غيه، ويفيق من غفلته، ويتوب من فعلته.
قال رسول الله ﷺ: "أيما رجل أكفر رجلًا مسلمًا، فإن كان كافرًا وإلا كان هو الكافر" ١ وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" ٢.
كما نقول له أخيرًا: ترى هل دريت يا هذا بأنك حينما تقول ذاك الكلام فإنك ترد على سلف هذه الأمة الصالح، وتكفر أئمتها المجتهدين ممن لا يجيز التوسل بالنبي ﷺ وغيره بعد وفاتهم كالإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، وقد قال أبو حنيفة: "أكره أن يتوسل إلى الله إلا بالله" كما تقدم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
ونعود لنقول: إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأننا والحمد لله من أشد الناس حبًا لرسول الله ﷺ، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله ﷺ، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم،
_________________
(١) ١ رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -. ٢ رواه أحمد وأبو داود عن سعيد بن زيد وإسناده صحيح.
[ ٧٧ ]
وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله ﷺ ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف ﵌ تسليمًا كثيرًا.
أقول: إننا – والحمد لله – من أول الناس اعترافًا بذلك كله، ولعل منزلته ﷺ عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له ﷺ، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال ﷾: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١، ونحن بفضل الله من أحرص الناس على طاعة الله ﷿، واتباع نبيه ﷺ وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٢ كما نهى النبي ﷺ عنهما فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" ٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ٣١. ٢ سورة النساء الآية ١٧١. ٣ رواه البخاري في الصحيح "٧/٣٠٠ و١٥/١٦١ من الفتح" والترمذي في "الشمائل" وأحمد والدارمي.
[ ٧٨ ]
ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ جعل من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات بمنى الحصوات الكبيرة وأمر أن تكون مثل حصى الخذف، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة: "هات ألْقِطْ لي". قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: "مثل هؤلاء" – ثلاث مرات – "وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ١ ذلك لأنه ﷺ يعد مسألة رمي الجمار مسألة رمزية الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليس حقيقية يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير، ومع هذا التحذير الشديد من الغلو في الدين، وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين، ويترنمون بقصيدته هذه، المشهورة بالبردة، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله ﵎، ودليلًا على محبتهم نبيهم ﷺ، أقول: هذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث السابق منصبًا فقط على الادعاء بأن محمدًا ﷺ ابن الله، فنهى عن هذه القولة، ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان، وهذا
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١/٢١٥ و٣٤٧" والنسائي وابن ماجه وغيرهم وإسناده صحيح وهو مخرج في كتاب "الصحيحة ١٢٨٣" وتخريج السنة لابن أبي عاصم "٩٨".
[ ٧٩ ]
غلط بالغ وضلال مبين، ذلك لأن للاطراء المنهي عنه في الحديث معنيين اثنين أولهما مطلق المدح، وثانيهما المدح المجاوز للحد. وعلى هذا فيمكن أن يكون المراد الحديث النهي عن مدحه ﷺ مطلقًا، من باب سد الذريعة، واكتفاءً باصطفاء الله تعالى له نبيًا ورسولًا، وحبيبًا وخليلًا، ومما أثنى سبحانه عليه في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١، إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله ﵎ هذا؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟ وإن أعظم مدح له ﷺ أن تقول فيه ما قال ربنا ﷿: إنه عبد له ورسوله، فتلك أكبر تزكية له ﷺ، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير. وقد وصفه ربنا ﷾ وهو في أعلى درجاته، وأرفع تكريم من الله تعالى له، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السماوات العلى، حيث أراه من آيات ربه الكبرى، وصفه حينذاك بالعبودية فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ٢.
ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي، فتصفوني بأكثر مما أستحقه، وتصبغوا علي بعض خصائص الله ﵎.
ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: أولهما تمام الحديث، وهو قوله ﷺ: "فقولوا عبد الله ورسوله" أي اكتفوا بما وصفني به الله ﷿ من اختياري عبدًا له ورسولًا، وثانيهما ما عقد بعض أئمة الحديث له من الترجمة، فأورده الإمام الترمذي مثلًا تحت
_________________
(١) ١ سورة القلم: الآية ٤. ٢ سورة الإسراء: الآية ١.
[ ٨٠ ]
عنوان: "باب تواضع النبي ﷺ" فحمل الحديث على النهي عن المدح المطلق وهو الذي ينسجم مع معنى التواضع ويأتلف معه.
تنبيه:
واعلم انه وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير السابق زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارىء على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.
الزيادة الأولى:
زيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي.. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد قوله: وشفع نبيي في رد بصري: "وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك" رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.
وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" "ص١٠٢" بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في "المصباح" "ص٣٠" بأن حمادًا ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا لم يخالف الراوي من هو أوثق
[ ٨١ ]
منه، قال الحافظ في "نخبة الفكر": "والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ".
قلت: وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو بلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في "الميزان" وهو إنما يورد فيه من تُكُلَّم فيه، ووصفه بأنه "ثقة له أوهام" بينما لم يورد فيه شعبة مطلقًا، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقد قال في "التقريب": حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره ثم قال: شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدًا.
قلت: إذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في "النخبة" ولعل حمادًا روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ، وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل "وهو ابن اسماعيل" عن حماد – عقب رواية شعبة المتقدمة – إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة، فقال: "فذكر الحديث" ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا
[ ٨٢ ]
في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى، وخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلًا على جواز التوسل بذاته ﷺ، لاحتمال أن يكون معنى قوله: "فافعل مثل ذلك" يعني من إتيانه ﷺ في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضؤ والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ أن يدعو به. والله أعلم.
الزيادة الثانية: قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به ﷺ حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في "المعجم الصغير" "ص١٠٣-١٠٤" وفي "الكبير" "٣/٢/١/١-٢" من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان - ﵁ - في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: إئت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدصلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿، فقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان - ﵁ - فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من
[ ٨٣ ]
حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كامته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ: "فتصبر؟ " فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي ﷺ: "ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلي ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات" قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: لم يرواه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي – واسمه عمير بن يزيد – وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح.
قلت: لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما اسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهو حجة، فقال الذهبي في "الميزان": صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في
[ ٨٤ ]
"كامله" فقال..له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذ حدث من حفظه، وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد".
فهذا الكلام يفيد أن شبيبًا هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: ان يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبيه "٢/١/٣٥٩"، فهو إذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهو كما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من "التقريب": لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقًا، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيبًا هذا في من طعن فيه من رجال البخاري من "مقدمة فتح الباري" "ص١٣٣" ثم دفع الطعن عنه – بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه – بقوله: "قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئًا. فقد أشار ﵀ بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هو الصواب كما بينته آنفًا،
[ ٨٥ ]
وعليه يجب أن يحمل كلامه في "التقريب" توفيقًا بين كلاميه، ورفعًا للتعارض بينهما.
إذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في "عمل اليوم والليلة" "ص٢٠٢" والحاكم "١/٥٢٦" من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفًا، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
وخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة: ضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟
ومن عجائب التعصب واتباع الهوى أن الشيخ الغماري أورد روايات هذه القصة في "المصباح" "ص١٢و١٧" من طريق البيهقي في "الدلائل" والطبراني، ثم لم يتكلم عليها مطلقًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا، والسبب واضح، أما التصحيح فغير ممكن صناعة، وأما التضعيف فهو الحق ولكن
ونحو ذلك فعل من لم يوفق في "الإصابة"، فإنهم أوردوا "ص٢١-٢٢" الحديث بهذه القصة، ثم قالوا: وهذا الحديث صححه
[ ٨٦ ]
الطبراني في الصغير والكبير!
وفي هذا القول على صغره جهالات:
أولًا: أن الطبراني لم يصحح الحديث في "الكبير" بل في "الصغير" فقط، وأنا نقلت الحديث عنه للقارئين مباشرة، لا بالواسطة كما يفعل أولئك، لقصر باعهم في هذا العلم الشريف "ومن ورد البحر استقل السواقيا".
ثانيًا: أن الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله وقد سبق: قد روى الحديث شعبة والحديث صحيح فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.
ثالتًا: أن عثمان بن حنيف لو ثبتت عنه القصة لم يُعَلَّم ذلك الرجل فيها دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة "اللهم شفعه في وشفعني فيه" لأنه يفهم بسليقته العربية أن هذا القول يستلزم أن يكون النبي ﷺ داعيًا لذلك الرجل، كما كان داعيًا للأعمى، ولما كان هذا منفيًا بالنسبة للرجل، لم يذكر هذه الجملة؟ قال شيخ الإسلام "ص١٠٤": "ومعلوم أن الواحد بعد موته ﷺ إذا قال: "اللهم فشفعه في وشفعني فيه" – مع أن النبي ﷺ لم يدعُ له – كان هذا كلامًا باطلًا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره ان يسأل النبي ﷺ شيئًا، ولا أن يقول: "فشفعه في"، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: "فشفعه في" لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان،
[ ٨٧ ]
والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثورًا عن النبي ﷺ، ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الايجابات أو التحريمات، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته ان يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول.
ثم ذكر أمثلة كثيرة مما تفرد به بعض الصحابة، ولم يتبع عليه مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، ونحو ذلك فراجعه.
ثم قال: وإذا كان في ذلك كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا له، ولا شافعًا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته ﷺ يتوسلون فلما مات لم يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت بإتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر: لا يأكل سمينًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في
[ ٨٨ ]
خلافته، فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته.
هذا، وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي ﷺ أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به - ﵁ - من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائه - ﵁ - وأرضاه.
"تنبيه": اطلعنا بعد صف هذه الملزمة على كتاب "التوصل إلى حقيقة التوسل" للشيخ محمد نسيب الرفاعي، الذي ذيل اسمه عليه بلقب "مؤسس الدعوة السلفية وخادمها"، وتقتضينا الأمانة العلمية، والنصيحة الدينية وقول كلمة الحق أن نبين حكم الله كما نفهمه، وندين الله تعالى به في هذا اللقب فنقول:
إن من نافلة القول أن نبين ان الدعوة إنما هي دعوة الإسلام الحق كما أنزله الله تعالى على خاتم رسله وأنبيائه محمد ﷺ، فالله
[ ٨٩ ]
وحده سبحانه هو مؤسسها ومشرعها، وليس لأحد من البشر كائنًا من كان أن يدعي تأسيسها وتشريعها، وحتى النبي الأكرم محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما كان دوره فيها التلقي الواعي الأمين، والتبليغ الكامل الدقيق، ولم يكن مسموحًا له التصرف في شيء من شرع الله تعالى ووحيه، ولهذا فادعاه إنسان مهما علا وسما تأسيس هذه الدعوة الإلهية المباركة إنما هو في الحقيقة خطأ جسيم وجرح بليغ، هذا إن لم يكن شركًا أكبر، والعياذ بالله.
فلا ندري كيف وقع هذا من رجل عاش دهرًا طويلًا مع إخوانه في حلب وغيرها من البلاد الشامية في الدعوة السلفية التي هي أخص خصائصها وأهم اهتماماتها محاربة الشركيات والوثنيات اللفظية، فضلًا عن الشركيات الاعتقادية، ثم اعتزلهم جميعًا، هدانا الله تعالى وإياه، وجنبنا الزلل والفتن ومضلات الأهواء.
ولعل أحدًا يحاول التماس عذر للمؤلف بأنه إنما قصد من ذاك اللقب أنه مجدد الدعوة السلفية، وليس أنه منشئها وصائغ تعاليمها، وقد كان في المسلمين قديمًا وحديثًا مجددون، والمؤلف واحد من هؤلاء في ظنه.
ونقول: نعم، إن هناك مجددين لدعوة الإسلام الحق على تتالي الزمان، ولكن شتان بين المؤلف وأولئك المجددين، وحسبه أن يكون تابعًا لأحدهم، ولو وافقناه جدلًا على حشر نفسه معهم لكان من الواجب عليه ان يحدد دائرة لتجديده المزعوم كبلد أو قطر، أما إطلاقه
[ ٩٠ ]
ذاك اللقب الفضفاض فإنه يوحي إلى القراء بأنه المجدد للإسلام في العالم الإسلامي كله في هذا العصر، وأين هو من هذا؟
أضف إلى ذلك أن من الأخلاق الأساسية التي يجب أن يتصف بها الداعية المسلم المتواضع، والبعد عن حب الظهور والتفاخر والإدعاء، فإن هذه أدواء قاتلة تجرد الساعي اليها، والحريص عليها من أهلية الدعوة، وتفقده سلاحًا ماضيًا للنصرعلى أعدائها، وتجعل عمله هباءً منثورًا، والعياذ بالله، فاللهم عصمتك وهداك.
هذا وقدتصفحنا الكتاب المشار إليه على عجل، فوجدنا فيه بعض الأخطاء، ننبه على بعضها في محله، ومنها أنه قال في "ص٢٣٧" في صدد الحديث عن إسناد القصة السابقة
ما نصه: إن في سند هذا الحديث رجلًا اسمه روح بن صلاح، وقد ضعفه الجمهور وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة. وهذا خطأ محض لا ندري وجهه، وهذا الرجل "أي روح بن صلاح إنما هو علة الحديث الثالث كما سيأتي.
[ ٩١ ]