فمما سبق تعلم أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح، وأجمع عليه المسلمون وهو:
١- التوسل باسم من أسماء الله ﵎ أو صفة من صفاته.
٢- التوسل بعمل صالح قام به الداعي.
٣- التوسل بدعاء رجل صالح.
وأما ما عدا هذه الأنواع من التوسلات ففيه خلاف، والذي نعتقده وندين الله تعالى به أنه غير جائز، ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل، تقوم به الحجة – وقد أنكره العلماء المحققون في العصور الإسلامية المتعاقبة، مع أنه قد قال ببعضه بعض الأئمة، فأجاز الإمام أحمد التوسل بالرسول ﷺ وحده فقط، وأجاز غيره كالإمام الشوكاني التوسل به وبغيره من الأنبياء والصالحين: ولكنا – كشأننا في جميع
[ ٤٢ ]
الأمور الخلافية – ندور مع الدليل حيث دار ولا نتعصب للرجال، ولا ننحاز لأحد إلا للحق كما نراه ونعتقده، وقد رأينا في قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلًا صحيحًا يعتد به، ونحن نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئًا يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهًا واحتمالات، سنعرض للرد عليها بعد قليل.
فهذه الأدعية الواردة في القرآن الكريم وهي كثيرة، لا نجد في شيء منها التوسل بالجاه أو الحرمة أو الحق أو المكانة لشيء من المخلوقات، وهاك بعض الأدعية الكريمة على سبيل المثال: يقول ربنا جل شأنه معلمًا إيانا ما ندعو به ومرشدًا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ١ ويقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٢ ويقول: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٣ ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ٤، ﴿رَبِّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٢٨٦. ٢ سورة البقرة: الآية ٢٠١. ٣ سورة يونس: الآية ٨٥ و٨٦. ٤ سورة إبراهيم: ٣٥.
[ ٤٣ ]
اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ١ ويقول على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي..﴾ ٢ ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا..﴾ ٣ إلى آخر ما هنالك من الأدعية القرآنية الكريمة، وبعضها مما يعلمنا الله تعالى أن ندعو به ابتداء، وبعضها مما يحكيه سبحانه عن بعض أنبيائه ورساله، أو بعض عباده وأوليائه، وواضح أنه ليس في شيء منها ذاك التوسل المبتدع الذي يدندن حوله المتعصبون، ويخاصم فيه المخالفون.
وإذا انتقلنا إلى السنة الشريفة لنطلع منها على أدعية النبي ﷺ التي ارتضاها الله تعالى له، وعلمه إياها، وأرشدنا إلى فضلها وحسنها، نراها مطابقة لما في أدعية القرآن السالفة من حيث خلوها من التوسل المبتدع المشار إليه، وهاك بعض تلك الأدعية النبوية المختارة:
فمنها دعاء الاستخارة المشهور الذي كان النبي ﷺ يعلمه أصحابه إذا هموا بأمر كما كان يعلمهم القرآن، وهو: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم: الآية ٤٠-٤١. ٢ سورة طه: الآياه ٢٥-٢٨. ٣ سورة الفرقان: الآية ٦٥.
[ ٤٤ ]
أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فأقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به" ١.
ومنها: "اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر" ٢ و: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي " ٣ و: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" ٤ و: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك " ٥ و: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد نعوذ بك من النار" ٦ ومثل هذه الأدعية في السنة كثير، ولا نجد فيها دعاء واحدًا ثابتًا فيه شيء من التوسل المبتدع الذي يستعمله المخالفون.
_________________
(١) ١ رواه البخاري بنحوه وهو في "مختصر البخاري" برقم "٦٠٥". مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. ٢ رواه مسلم، وهو مخرج في "الروض النضير- ١١٢". ٣ رواه النسائي بإسناد صحيح، وهو مخرج في "تخريج الكلم الطيب- ١٠٥". ٤ رواه مسلم وهو مخرج في "تخريج فقه السيرة- ٤٨١"٠ ٥ رواه الترمذي وحسنه وهو كما قال وانظره بتمامه مع تخريجه في "تخريج الكلم- ٢٢٥". ٦ رواه الحاكم والطبراني، وإسناده حسن لغيره كما بينته في السلسلة الصحيحة- ١٥٤٤". مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض.
[ ٤٥ ]
ومن الغريب حقًا أنك ترى هؤلاء يعرضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة، فلا يكادون يستعلمون شيئًا منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وأجماع الأمة عليها، وتراهم بدلًا من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها، وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله ﷿، ولم يستعملها رسوله المصطفى ﷺ، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ ١.
وأهل هذه أحد الشواهد العلمية التي تؤكد صدق التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي رحمه حيث قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سننهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.٢
هذا ولم ننفرد نحن بإنكار تلك التوسلات المبتدعة، بل سبقنا إلى إنكارها كبار الأئمة والعلماء، وتقرر ذلك في بعض المذاهب المتبعة، ألا وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، فقد جاء في "الدر المختار" "٢/٦٣٠" – وهو من أشهر كتب الحنفية – ما نصه: عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٦١. ٢ رواه الدارمي "١/٤٥" وإسناده صحيح.
[ ٤٦ ]
ونحوه في "الفتاوى الهندية" "٥/٢٨٠". وقال القُدوري١ في كتابه الكبير في الفقه المسمى "بشرح الكرخي" في "باب الكراهة": قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القُدوري: المسألة بخلقه٢ لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا. نقله شيخ الإسلام في "القاعدة الجليلة" وقال الزبيدي في "شرح الإحياء - ٢/٢٨٥": "كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، إذ ليس لأحد على الله حق، وكذلك كره أبو حنيفة ومحمد أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، وأجازه أبو يوسف لما بلغه الأثر فيه"٣.
_________________
(١) ١ هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر بن حمدان الفقيه، وهو من شيوخ الخطيب البغدادي، ولد سنة ٣٦٢، وتوفي سنة ٨٢٤هـ. ٢ أي سؤال الله بخلقه. ٣ إنما أكثرت من هذه النقول لأن كثيرين من متعصبة الحنفية وغيرهم ينكرون صحة هذا القول عن أبي حنيفة ﵀ وإذا كان مثل هذا القول لا يصح عنه فليس هناك في كتب الفقه شيء يصخ عنه مطلقا كما لا يخفى على الفقيه العالم بطريقة نقلأقوال الأئمة الحنفية في كتب المذهب. ومن غرائب بعضهم أنهم إذا جوبهوا بقول الإمام أبي حنيفة هذا صرحوا بأنهم غير ملزمين به لأنه مخالف للحديث لأنه قد صح - يزعمهم- الحديث بدعاء الله=
[ ٤٧ ]
أقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في "الموضوعات" وقال: هذا حديث موضوع بلا شك، وأقره الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" "٢٧٣" فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: أسألك بمعاقد العز من عرشك يعود إلى التوسل بصفة من
_________________
(١) = بغيره كما في حديث أصحاب الغار وحديث بريدة وقد تقدما ص ٣٣-٣٤ ويفسرونهما على غير الوجه الصحيح يقولون هذا مع أنهم في منهجهم العام وسبيلهم المعروف غارقون في التقليد إلى آذانهم ويعرضون عن أي حديث صحيح الإسناد صريح الدلالة إذا كان مخالفا لمذهبهم فما بالهم يعودون إلى منهجنا هذا حينما سدت في وجوههم سبل الرد علينا من المذهب؟ ترى هل هذا تناقض منهم أو غفلة أم وهم ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ليردوا الحق الذي نص عليه إمام مذهبهم لأنه يوافق ما تدعوهم إليه من ترك التوسل بالذات إلى التوسل بالله تعالى وصفاته؟ وليت شعري هل هم مستعدون لأن يكون العمل بما صح به الحديث منهجهم في فقههم كله حتى نطالبهم بعشرات بل بمئات الأحاديث الصحيحة التي خالفوها إلى مذهبهم وبذلك تتفق وجهة نظرهم مع وجهة نظرنا أم سيكون شأنهم اتباع الحديث ومخالفة المذهب إذا وافق ذلك الهوى والغرض والتمسك بالمذهب ومخالفة الحديث إذا لم يوافق ذلك الهوى والغرض! وأما احتجاجهم بحديث بريدة وحديث أصحاب الغار فمردود لأنهما صريحان في التوسل بالعمل الصالح وهو الشهادة بالتوحيد في الحديث الأول وبر الوالدين والعفة عن الحرام والإحسان إلى الأجير في الحديث الثاني ونحن قد قلنا بذلك ولم نتعصب لقول أبي حنيفة السابق الذي ينفي ظاهره هذا النوع من التوسل ولا يلزمنا نحن الأخذ به إذا خالف الحيث لأن الحديث مقدم عندنا على قوله وما الخلاف بيننا وبين المقلدة إلا فيما يظهرون "والله أعلم بما يكتمون" وأما تسميتهم هذا التوسل بدعاء الله بغيره فهي من تدلساتهم الباطلة ومغالطاتهم المكشوفة كم لا يخفى على ذوي الألباب.
[ ٤٨ ]
صفات الله ﷿، فهو توسل مشروع بأدلة أخرى كما سبق، تغني عن هذا الحديث الموضوع. قال ابن الاثير ﵀: "أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء".
فعلى الوجه الأول من هذا الشرح، وهو الخصال التي استحق بها العرش العز، يكون توسلًا بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزًا، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع إنعقاد العز من العرش، فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل لعدم ثبوته، فنكفي بما سبق.
[ ٤٩ ]