كأن يقول المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله ﵎، فيجب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعوا له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. فهذا نوع آخر من التوسل المشروع، دلت عليه الشريعة المطهرة، وأرشدت إليه، وقد وردت أمثلة منه في السنة الشريفة، كما وقعت نماذج منه من فعل الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فمن ذلك ما رواه أنس ابن مالك - ﵁ - حيث قال: أصاب الناس سنَة على عهد النبي ﷺ، فبينما النبي ﷺ يخطب [على المنبر ٢/٢٢] قائمًا في يوم الجمعة، قام [وفي راوية: دخل ٢/١٦] أعرابي [من أهل البدو ٢/٢١] [من باب كان وجَاه المنبر] [نحو دار القضاء ورسول الله قائم، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا ٢/١٧] فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع [وفي رواية: هلك] العيال [ومن طريق أخرى: هلك الكُراع، وهلك الشاء] ١ [وفي أخرى هلكت المواشي، وانقطعت السبل] فادعُ الله لنا [أن يَسْقِيَنا] [وفي أخرى: يُغيثنا] فرفع يديه يدعو [حتى رأيت بياض إبطه]: [اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا]، [ورفع الناس أيديهم معه يدعون،] [ولم يذكر أنه حوَّل رداءه، ولا استقبل القبلة ٢/١٨] و[لا والله] ما نرى في السماء [من سحاب
_________________
(١) ١ الكراع: الخيل، الشاء: جمع شاة وهي الغنم.
[ ٣٨ ]
ولا] قزعة١ [ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْع٢ من بيت ولا دار] [وفي رواية: قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة] [قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت] فوالذي نفسه بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطرَ يتحادر على لحيته ﷺ [وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماءُ عزاليها٣ [ونزل عن المنبر فصلى ٢/١٩] [فخرجنا نخوض الماس حتى أتينا منازلنا] [وفي رواية: حتى ما كاد الرجل يصل إلى منزله ٧/١٥٤] فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى [ما تقلع] ٤ [حتى سالت مثاعب المدينة] ٥ [وفي رواية: فلا والله ما رأينا الشمس ستًا] .
وقام ذلك الأعرابي أو غيره [وفي رواية: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا] فقال: يا رسول الله تهدم البناء [وفي رواية: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي] [وفي طريق: بشَق المسافر٦، ومُنع الطريق
_________________
(١) ١ قطعة من السحاب الصغار المتفرق. ٢ جبل في المدينة. ٣ عزاليها: جمع عزلاء وهو فم المزادة الأسفل، وفيه تشبيه غزارة المطر وشدته بالماء الخارج من أفواه القرب المصبوبة. ٤ ماتقع: أي ماتنقطع. ٥ أي مجاري المياه. ٦ أي قطع به السير.
[ ٣٩ ]
وغرق المال، فادع الله [يحبُسه] لنا [فتبسم النبي ﷺ] فرفع يده، فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، [اللهم على رؤوس الجبال والإكام [والظراب] ١ وبطون الأودية ومنابت الشجر] فما [جعل] يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت مثل الجوْبَة٢، [وفي رواية: فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة [يمينًا وشمالًا] كأنه إكليل] [وفي أخرى: فانْجابَتْ] ٣ عن المدينة انجياب الثوب] [يمطر ما حولينا ولا يمطر فيها شيء [وفي طريق: قطرة] [وخرجنا نمشي في الشمس] يريهم الله كرامة نبيه ﷺ وإجابة دعوته]، وسال الوادي [وادي] قناة شهرًا، ولم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود٤.
ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك٥ - ﵁ - أيضًا أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقَون.
_________________
(١) ١ الإكام: جمع أكمة وهو التراب المتجمع، و"الظراب" جمع "ظرب" وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي. ٢ هي الحفرة المستديرة الواسعة. ٣ أي انكشفت. ٤ رواه البخاري، وقد أوردته هكذا مختصرى له "١/٢٢٤- ٢٢٦ رقم ٤٩٧" جامعا بين طرقه ورواياته المختلفة الواردة في مواضع شتى، وهذا المختصر فيه فوائد جمة وتعليقات نفسية، لا يستغني عنها طالب علم أو راغب فقه. مكتبة المعارف للنشر والتورزيع. ٥ رواه البخاري "٢/٣٩٨، ٧/٦٢" وابن سعد في "الطبقات ٤/٢٨-٢٩" وهو في "مختصر البخاري" برقم "٥٣٦". مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
[ ٤٠ ]
ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أننا كنا نقصد نبينا ﷺ ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعوَ لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائنهم: اللهم بجاه نبيك اسقنا، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته ﷺ: اللهم بجاه العباس اسقنا، لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة، ولم يفعله أحد من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، كما سيأتي الكلام على ذلك بشيء من البسط قريبًا إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك أيضًا ما رواه الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى في "تاريخه ١٨/١٥١/١" بسند صحيح١ عن التابعي الجليل سليم ابن عامر الخبَائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم.
_________________
(١) ١ وعزاه الحافظ العسقلاني في "الإصابة - ٣/٦٣٤" لأبي زراعة الدمشقي ويعقوب ابن سفيان في "تاريخهما" بسند صحيح عن سليم بن عامر أيضا.
[ ٤١ ]
وروى ابن عساكر أيضًا بسند صحيح أن الضحاك بن قيس خرج يستسقي بالناس فقال ليزيد بن الأسود أيضًا: قم يا بكاء! زاد في رواية: "فما دعا إلا ثلاثًا حتى أمطروا مطرًا كادوا يغرقون منه.
فهذا معاوية - ﵁ - أيضًا لا يتوسل بالنبي ﷺ، لما سبق بيانه، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح: يزيد ين الأسود رحمه الله تعالى، فيطلب منه أن يدعو الله تعالى، ليسقيهم ويغيثهم، ويستجيب الله ﵎ طلبه. وحدث مثل هذا في ولاية الضحاك بن قيس أيضًا.
[ ٤٢ ]