فالجاهليون كانوا يصرفون بعض هذه الأنواع لغير الله ﷿ معتقدين أن أولئك الأولياء لهم وجاهة ومنزلة عند الله رفيعة، وأنهم يرفعون حاجاتهم إلى الله ﷿ مثال ذلكم: اللات الذي كان يدعى من دون الله ﷿ في الطائف، كان
[ ٣ ]
قبل موته رجلًا نافعًا للناس وخاصة الحجاج فقد كان يلت السويق - نوعًا من الطعام تحتسيه العرب - ويقدمه لهم فلما توفي صار شأنه كشأن أي رجل يعتقد الناس فيه الصلاح والخير فأسف عليه أهل زمانه فصاروا يترددون إلى ضريحه ثم أقاموا عليه بناء ثم جعلوا يتوسلون به ويطوفون بقبره ويسألونه قضاء الحاجات وتفريج الكربات، كما يطلب مثل ذلك من العزى ومناة كما قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وكانوا مع هذا يعلمون أن هؤلاء المدعوين لم يخلقوا شيئًا من هذا الكون وأنهم لا يملكون رزقًا ولا حياة ولا موتًا وليس لهم من الأمر شيء.
قال الله ﷿ عن المشركين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، أي: ما دمتم تعلمون أن الفاعل لهذا هو الله أفلا تتقون الله فتفردونه بالدعاء كما أفردتموه بالخلق.
ومن هناك ندرك أن أولئك الكفار ما كانوا يرجون من وراء
[ ٤ ]
أولئك الصالحين إلا أن يقربوهم من الله ﷿ ظنًّا منهم أن الله يستجيب لهؤلاء الصالحين الموتى فيقضي حاجات المستغيثين بهم، وهذا فيه غاية التنقص للإله الحق، ووجه ذلك: أن الرب ﵎ ليس كالبشر يحتاج إلى وزير أو مساعد أو غيره كما هو حال البشر لعدم إحاطتهم بكل شيء. ومن هنا ندرك من القرآن الكريم أن من دعا غير الله من الموتى وغيرهم فيما لا يقدر على تحقيقه إلا الله ﷿ فهو مشرك كافر بالله، قال الله ﷿ كاشفًا شبهتهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤].
وقد نص الله تعالى على أنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو قدر فرضًا وجدلًا أنهم سمعوا فلن يستجيبوا لهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بفعلهم هذا وسمي فعلهم هذا، شركًا بنص الآية وهي قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، إذا كل من دعي من دون الله من الموتى فهو لا يسمع قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ولا يعلمون الغيب، فإذا كان رسول الله ﷺ لا يعلم
[ ٥ ]
الغيب كما في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فكيف بمن دونه ﷺ من البشر يعلم الغيب، فلا يمكن أن يعلم أن فلانا جاء إلى قبره فسأله، بل إنهم لا يسألون إلا معدومًا ولا يصح أن نطلب منهم الشفاعة بجاههم عند
الله فإن الله تعالى كفر العرب لطلبهم من الموتى ذلك مع قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، أي: ما ندعوهم لأن الدعاء عبادة كما سيمر بك قريبًا، ودعاؤهم للشفاعة خطأ عظيم لأنه تعالى يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وهو سبحانه لا يرضى طلب الشفاعة من الموتى لأن الميت لا حياة فيه ولا قدرة له فكيف تطلب من المعدوم، فلا تطلب إلا ممن يقدر عليها وهو الله تعالى.
* * *