ومن الفتن أن ترى أممًا وشعوبًا وأناسًا ربما يقال إنهم من
[ ١٥ ]
أصحاب المال والجاه والسلطان أو أنهم عند الناس من أهل العلم بمظاهرهم تجدهم يفعلون ما يفعل الجهلة عند القبور، ولربما سألهم الناس عن حكم هذا العمل فيفتون الناس بأن هذا ليس الشرك المنهي عنه، فالناس يقتدون بهم في ذلك، ولكن العاقل لا يفعل هذا، لأنه يقول: ألا يسعني ما وسع رسول الله ﷺ واتباعه من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم؟
فما دام أن الرسول لم يدع غير الله في كل حياته ولم يعرف عنه ذلك لا في السلم ولا في الحرب ولا في السراء ولا في الضراء بل الثابت عنه ﷺ أنه إذا ألمت به ملمة أو نزلت به نازلة قال لبلال: "يا بلال أرحنا بها"، (^١) أي: بالصلاة، وفي كل صلاة نقرأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، أي: لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك وقد قال ﵎ في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ولم يقل: لقد كان لكم في أهل زمانكم أسوة حسنة، وانظر إلى بني إسرائيل حين أطاعوا علماءهم وعبادهم في معصية الله تعالى ماذا قال الله تعالى عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٦٤)، عن رجل من أسلم (صحابي) الحديث، انظر صحيح البخاري (٧٨٩٢).
[ ١٦ ]
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فلما سمعها عدي بن حاتم قال: يا رسول الله إنا لم نكن نعبدهم - إذ كان نصرانيًا قبل إسلامه - فقال له رسول الله ﷺ "أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ (^١) قال: بلى قال: فتلك عبادتهم".
أخي في الله
ما الفرق بين رجل يقول: إن عيسى ابن الله وله شيء من الألوهية كما هو عند النصارى وبين رجل يدعو غير الله معتقدًا أنه يجيب سائله، وهذا مأخذ يأخذه النصارى على بعض من ينتسب للإسلام من أهل هذا الزمان، فهم بفعلهم محسوبون على المسلمين مع أنهم ليسو منهم لتوسلهم البدعي الشركي بالأموات والأولياء والصالحين. ويؤسفنا أن بعض النصارى ممن يقرأ عن حياة الجاهليين أجدادنا يقول هاهم رجعوا إلى وثنية آبائهم العرب، ونسوا أو تناسوا بأنهم وقعوا بأكبر حين نسبوا لله تعالى الولد، تعالى الله عن أن يلد أو يولد وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ ﴿لَقَدْ
_________________
(١) رواه الترمذي (٥/ ٢٥٩) من حديث عدي بن حاتم وهو حديث حسن، انظر غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام رقم (٦).
[ ١٧ ]
جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٢].
لما تركنا الهدى حلت بنا نقم … وهاج للظلم والطغيان طوفان
* * *