من التوسلات الصحيحة النافعة التوسل إلى الله ﷿ بدعاء صالحي عباد الله فهذا خليل الله إبراهيم ﵇ عند ما دعا أباه إلى الإسلام والتوحيد فأصر على عقيدته الباطلة، وأبى الاستجابة لابنه، فما كان من الخليل ﵇ إلا أن وعد أباه بأن يدعو الله ﷿ ليعفو عنه ويغفر له هذه الخطيئة الكبرى، ولو لم يعلم إبراهيم ﵇ أن دعاءه لأبيه مشروع، وأنه وسيلة مقبولة عند الله ﷿ لما وعد أباه بالدعاء له، ولنسمع القرآن الكريم وهو يعرض علينا هذا الموقف العظيم بأسلوبه البديع ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ١.
ومن المواقف التيعرض فيها كتاب الله ﷿ دعاء الصالحين لغيرهم، موقف إخوة يوسف ﵇ عند ما تبين لأبيهم خطأ ما عملوا، وندموا غاية الندم على فعلتهم تلك، طلبوا من أبيهم نبي الله يعقوب ﵇ أن يدعو الله لهم، فوعدهم بذلك، وفي هذا ما فيه من الدلالة على جواز التوسل بدعاء عباد الله المؤمنين، يقول الله ﷿ حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا
_________________
(١) ١ مريم: ٤١-٤٨
[ ٦٠ ]
ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١.
ويلاحظ أنه وعدهم أن يطلب لهم المغفرة من ربه ﷿، واصفًا إياه بالغفور الرحيم، وهذا يدل على أنّه سيتوسل في استغفاره لهم بهاتين الصفتين العظيمتين من صفات ربنا ﵎.
ومما يمكن أن يدرج في هذا الباب ما كان من دعاء نبي الله نوح ﵇ لابنه الضال عند ما دعاه ليركب معهم في السفينة، فأبى ذلك، وامتنع من اعتلاء الفلك لما سبق في علم الله ﷿ من شقاوته، يقول الله جل وعلا في بيان ذلك: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ ٢. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: “ ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبّ﴾ إنك وعدتني أن تنجيْنِي من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خلف فيه ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحق، فاحكم لي، بأن تفي بما وعدتني، من أن تنجي لي أهلي، وترجع ابني” ٣.
وهذا الذي دل عليه كتاب الله ﷿ دلت عليه السنة أيضًا، فقد روى مسلم عن صفوان بن عبد الله - وكانت تحته الدرداء - قال: “قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: “دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل” قال: فخرجت على السوق، فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك، يرويه عن النبي ﷺ “ ٤.
_________________
(١) ١ يوسف: ٩٧-٩٨ ٢ هود: ٤٥ ٣ تفسير الطبري ١٢/٢٤٩ ٤ صحيح مسلم ٨/٨٦
[ ٦١ ]