موضوع التوسل من أهم المواضيع، بل هو من أعظمها خطرًا، وهو من الأمور التي يخطئ فيها كثير من الناس، وذلك لعدم معرفتهم سبل التوسل الصحيحة المشروعة، وكل ذلك ناشئ عن فهم خاطئ لحقيقة التوسل، أو تصور غير صحيح، أو تقليد أعمى.
والمتدبر لكتاب الله ﷿ يجد أن الكتاب الكريم قد أبان في مواضع كثيرة منه السبل المشروعة في التوسل إلى الله جل وعلا، وهذه السبل هي التوسل إلى الله جل وعلا بالإيمان الصادق الصحيح، والتوسل إلى الله ﵎ بما شرع من أعمال صالحة، والتوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والتوسل إلى الله تعالى بفضله ورحمته وإحسانه، والتوسل إلى الله ﷿ بدعاء الصالحين الأحياء من عباده.
هذا ومن المعلوم أن كثيرًا من عباد القبور اليوم، والمستغيثين بالأولياء والصالحين، إنما كان سبب انحرافهم هذا هو تعظيمهم للصالحين، تعظيمًا بلغ حدّ الغلو، وإذا ما نوقش أحدهم ونهي عما يقع منه من شرك يقول: إنه لا يعبد هذا الصالح وإنما يتوسل به إلى الله تعالى، وربما يضرب لك مثلًا فيقول: إنك عند ما تريد أمرًا ما من ملك أو رئيس فإنك تتوسل إليه وتستشفع بمقرّب عنده؛ فيشبه هذا المسكين الخالق جل وعلا بالمخلوق؛ وما علم المسكين أن عظماء الدنيا يحتاجون إلى شفعاء لأمور:
منها: أن ذلك العظيم لا يعلم حال الناس، ولا يطلع على حوائجهم، فيحتاج إلى من يبلغه ذلك عنهم، وهل الرب جل وعلا الذي أحاط علمه بكل شيء يحتاج إلى من يخبره عن خلقه؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الملك: ١٤.
[ ١٥ ]
وأيضا فإن ذلك الرئيس إنما يقبل شفاعة الشافع رجاءً أو خوفًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوا كبيرًا.
وهذا العظيم يحتاج إلى من يرقق قلبه، ويسترحمه لينظر في أمور هؤلاء المحتاجين، والله ﷿ هو أرحم الراحمين، بل هو أشد رحمة بالعبد من أمه وأبيه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن يصيبه” ١، وروى مسلم في صحيحه من حديث سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ “إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة” ٢، والله جل وعلا عند ما أرشد إلى دعائه لم يجعل بيننا وبينه وسائط ووسائل من الخلق في ذلك ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ٣ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤.
هذا وإن ما يقوله بعض مدعي الإسلام اليوم ممن يقع في عبادة القبور هو ما قاله بالأمس كفار قريش ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٨/١٨. ٢ صحيح مسلم ٨/٩٦. ٣ البقرة: ١٨٦ ٤ غافر: ٦٠
[ ١٦ ]
مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١ فإنهم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تخلق وترزق وتمرض وتشفي ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣
هذا ومن المعلوم أيضًا أن أول شرك وقع في الأرض وهو شرك قوم نوح ﵇ إنما كان بسبب تعظيم الصالحين، والتوسل بهم، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: “صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح إلى العرب بعد؛ أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت” ٤.
وأورد ابن حجر ﵀ عن السهيلي رحمه الله تعالى في التعريف “إن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما نقل، وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته فتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوا بتدريج الشيطان لهم” ٥.
وهكذا نرى الشرك إنما دخل على الناس من باب الصالحين والغلو فيهم،
_________________
(١) ١ الزمر: ٣ ٢ الزمر: ٣٨ ٣ يونس: ٣١ ٤ صحيح البخاري ٦/١٦٠. ٥ فتح الباري ٨/٦٦٨
[ ١٧ ]
وتصوير صورهم، والتبرك بهم، والتوسل بهم، ومن هنا يتبين عظيم حاجتنا إلى معرفة سبل التوسل الصحيحة، وهي بحمد الله تعالى بينة واضحة في كتاب ربنا الذي ما فرط الله ﷿ فيه من شيء، على أن أعظم ما يتوسل به المرء هو التقرب إلى الله ﷿ بصالح الأعمال، وجليل الخلال، وإلى هذا أشار سيدنا رسول الله ﷺ إذ يقول فداه أبي وأمي ونفسي “انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا١، فناء ٢ بي في طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ، وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحبّ الناس إليّ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك ففرج عنّا ما نحن فيه، فانفرجت غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي ﷺ: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد
_________________
(١) ١ أغبق فلانا: أي أسقيه عشاءً فيشرب. ٢ أي ابتعد في طلب شيء فكان سبب تأخره عنهما.
[ ١٨ ]
حين، فقال يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون” ١.
فهؤلاء الثلاثة الصالحون لما وقعوا في الشدة لم يجدوا ما ينقذهم منها، أو يخلصهم من الهلكة سوى أن يتوسلوا إلى الله ﷿ بأفضل ما عملوا مما ابتغوا به وجه ربهم ﷿، ولم يجدوا أعظم من بر الوالدين والإحسان إليهما، وكذا إعطاء الأجير أجره وحفظه له، وتنميته، ومن ثم تسليمه له دون طمع في شيء منه مع كثرته، وكذا التوسل بالعفاف وترك الحرام مع القدرة التامة عليه.
وبمثل هذا أرشد رسول الله ﷺ أمته، وعلمهم كيف يتوسلون إلى ربهم، ومما يؤكد ذلك ويزيل كل وهم في باب الوسيلة ما حدّث به ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: “كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: “سل” فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: “أو غير ذلك” قلت: هو ذاك، قال: “فأعني على نفسك بكثرة السجود” ٢.
وهكذا نرى رسول الله ﷺ يعلم هذه الأمة كيف تتوسل إلى ربها، وذلك بإخباره عما كان من الأمم السابقة من التوسلات الصحيحة التي قبلت فرأى أصحابها آثارها، وكذلك بإرشاد من أراد مرافقة النبي ﷺ في الجنة، وهذا مقام من أعظم المقامات، ولذا دله الرسول ﷺ على عمل هو من أفضل الأعمال، ألا وهو الإكثار من الصلاة.
وفي هذا يقول الرسول ﷺ: “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٣/٩١، وصحيح مسلم ٨/٨٩، واللفظ للبخاري. ٢ صحيح مسلم ٢/٥٢، ولفظ أبي داود ٤/٣٠٤ والنسائي ٢/١٨٠ “كنت أبيت مع رسول الله ﷺ آتيه بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني
[ ١٩ ]
فأكثروا الدعاء” ١ فلعل هذا تفسير قول الله ﷿ ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٢.
هذا وإن التوسل إلى الله ﷿ والتزلف إليه بعمل محابه، واجتناب موجبات سخطه ما زال ديدن المؤمنين، وخاصة النبيين من عباد الله ﷿ وجل، يقول الله جلت قدرته: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا. قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣.
وإن سياق الآيات الكريمات ليوحي بموقف النبيين المخالف لموقف المشركين الذين يتوسلون بأندادهم وآلهتهم التي لا تملك شيئًا، وإنه موقف سادة الموحدين الذين يخلصون الدعاء لربهم ﷿، ولا يطمعون في أحد سواه كائنًا من كان.
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٢/٤٩ من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ العلق: ١٩. ٣ الإسراء: ٥٥-٥٧.
[ ٢٠ ]