هذا وقد حكى الله ﷿ في سورة الممتحنة ما كان من خليله
[ ٥١ ]
إبراهيم ﵇ والذين آمنوا معه، ولندع المجال للإمام أبي الفداء ابن كثير ﵀ وهو يقول: “ثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم، فلجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ١ أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ قال مجاهد: “معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا”، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: “لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه”، واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: “لا تسلطهم علينا فيفتنونا”، وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ أي واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك” ٤.
فهذا إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ومن معه من أهل الإيمان فارقوا قومهم طاعة لله ﷿، وهربًا بدينهم من الفتنة، وطلبًا لمكان يقيمون فيه شرع الله ﷿، ويظهرون شعائر الإيمان، فبعد أن قدموا هذه الوسيلة العظيمة دعوا الله ﷿ مظهرين اعتمادهم على ربهم، وتفويضهم أمورهم إليه، وأبانوا عن إنابتهم إلى ربهم ورجوعهم إليه، وعدم التفاتهم إلى ما سواه؛ إذ
_________________
(١) ١ الممتحنة: ٤ ٢ الممتحنة: ٥ ٣ الممتحنة: ٥ ٤ تفسير ابن كثير ٤/٣٤٨.
[ ٥٢ ]
المصير والمرجع إليه وحده، ثم تضرعوا إلى الله ﷿ أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، وأن يغفر لهم ما سبق لهم من زلة أو تقصير، وختموا دعاءهم بثنائهم على ربهم، وتوسلهم بصفتين جليلين لله ﷿، فهو ﷿ العزيز الغالب الظاهر الذي لا يذل من التجأ إليه، ولا يخيب من توكل عليه، وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة، بل حكم بالغة، وأسرار عظيمة.
ومناسبة هذين الوصفين لهذا الدعاء ظاهر؛ ذلك أن الدعاء فيه طلب النجاة من فتنة أعداء، وأن لا يكون المؤمنون سببًا في فتنتهم، وهو من الحكمة؛ لئلا يكون حال المؤمنين فيما لو سلّط عليهم الأعداء، وظهروا عليهم سببًا في افتتانهم بباطلهم، وفيه التوكل على الله ﷿، والاعتماد عليه، وذلك يناسبه وصف العزة والحكمة، والله أعلم.
[ ٥٣ ]