وما زال المؤمنون يدعون ربهم ويتضرعون إليه، ويتوسلون إليه بمحابه، وبالثناء عليه بأوصافه الجميلة، وأسمائه الحسنى، وإنهم ليفعلون ذلك يوم القيامة
[ ٥٤ ]
عند ما يرون نور المنافقين قد أطفئ فيتملكهم شعور بالخوف، أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء المنافقين، ولنسمع إلى قول ربنا جل وعلا وهو يبين حالهم في ذلك الموقف العظيم ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١ إنه لموقف يدل على عظيم إيمان هؤلاء، وأن تعلّقهم بربهم، وتملقهم له، وانكسارهم لعظمته وجلاله، ومسكنتهم له صفة ملازمة لهم لا تنفك عنهم بحال من الأحوال، كما يدل على معرفتهم بعناية الله بهم، ووثوقهم بربهم، وحسن ظنهم به، ولذا عند ما رأوا ما عوقب به المنافقون من ذهاب النور الذي كانوا يسيرون على ضوئه، عند ما رأوا ذلك انطلقت ألسنتهم، يدعون ربهم متضرعين راجين أن يتمم لهم نورهم، وأن يغفر لهم لئلا تكون ذنوبهم سببا في عقوبتهم، مثنين على الله ﷿ بأنه على كل شيء قدير، فلا يعجزه هذا الأمر ولا غيره، وهو أهل لأن يجيب دعاءهم، ويحقق رجاءهم لكمال قدرته.
_________________
(١) ١ التحريم: ٨
[ ٥٥ ]
مصر، وحقّق له رؤياه التي رأى في صغره ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١ بعد أن أتمّ الله ﷿ له هذه النعمة قال تعالى في بيان شأنه ذلك: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ ثم دعا يوسف ﵇ قائلًا ﴿ربّ قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السّماوات والأرض أنت وليّي في الدّنيا والآخرة توفّني مسلمًا وألحقني بالصّالحين﴾ ٣ لقد قدّم الصديق يوسف ﵇ توسله إلى ربه ﷿ بأن ذكر إحسان ربه عليه بإخراجه من السجن، وإنجائه من كيد امرأة العزيز ومن معها من النسوة، وأردف ذلك بذكر إنعام الله ﷿ عليه بأن جاء بأبويه وإخوته من البدو لتقر عينه وأعينهم باللقاء والاجتماع بعد ذلك الفراق الطويل، وكذا ما أنعم به عليه من ردّ كيد الشيطان الذي نزغ بينه وبين إخوته، فوقع بينهم ما وقع، وكل هذا الإحسان، وهذا اللقاء الذي كان على هذه الصفة العجيبة تم بلطف ربه الذي يفعل ما يشاء بلطفه وعلمه وحكمته، وهذا توسل آخر بأسماء الله ﷿ الحسنى، ومن ثمّ يتوجه إلى ربه ويدعوه متوسلًا له بإقراره بنعمته عليه إذ آتاه ملكًا، وعلمه تأويل الرؤى، وهذا ما كان سببًا في جعله وزيرا للخزائن، وتوسل بكون ربه فاطر السموات والأرض أي ابتدأ خلقهما وأوجدهما على غير مثال سابق، وتوسل بكون الله ﷿ وليه
_________________
(١) ١ يوسف: ٤ ٢ يوسف: ١٠٠ ٣ يوسف: ١٠١
[ ٥٦ ]
في الدنيا والآخرة، فلا يقدر على إنجائه وإسعاده سواه.
وبعد هذه التوسلات العظيمة دعا ربه بما يريد فقال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ إن غاية مطالبه، وأقصى مآربه أن يتوفاه ربه وهو مسلم، حتى يتوفاه وهو راضٍ عنه، وأن يلحقه بصالحي عباده ليكون من أهل السعادة، وليفوز بجوار ربه في جنات النعيم.
[ ٥٧ ]