وفي سورة الفرقان يذكر ربنا جل وعلا صفات عباده الصالحين فيقول عز من قائل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ١ إن عباد الرحمن قوم يعيشون على التواضع فلا يتكبرون في الأرض بغير الحق، فهم يمشون بسكينة ووقار بغير مرح ولا بطر، وإذا تطاول عليهم سفيه بقول سيئ لم يقابلوه بمثل سفهه ونزقه بل يعفون، ولا يقولون إلا الخير، ويردون جهله بالمعروف من القول، وهم قوم يقضون ليلهم بين سجود وقيام لرب العالمين، يدعون ويتضرعون ويخبتون إليه، ويقولون ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ إن الذي حملهم على ترك النوم، والتقلب في الساجدين إنما هو خوفهم من ربهم، ذلك الخوف الذي يدفعهم إلى أن يتضرعوا إلى ربهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم، هكذا كأنهم يحسّون
_________________
(١) ١ الفرقان: ٦٣-٦٦
[ ٥٣ ]
حرّها، ويجدون سمومها، وذلك لقوة يقينهم، فهم يطلبون صرف عذابها عن وجوههم، فإن عذابها عذاب دائم ملازم لأصحابها، لا ينفك عنهم والعياذ بالله، وإن جهنم بئس المنزل الذي يستقر فيه، وبئس الموطن الذي يقام فيه.
إن عباد الرحمن لم يدعوا ربهم إلا بعد أن قدموا الوسائل الصالحة التي ترضي ربهم عنهم، ومن ثم انطلقت ألسنتهم تلهج بالدعاء والتضرع والتذلل، ويمضي السياق الكريم يذكر صفات هؤلاء الصالحين في إنفاقهم، وابتعادهم عما حرم ربهم عليهم، وتوبتهم مما فرط منهم من ذنوب، وابتعادهم عن الكذب والفسق واللغو والباطل، وإذا مروا بمجلس فيه لغو وزور أسرعوا وتركوا ذلك المجلس، ولم يستهوهم ما فيه من الباطل، بل ينزهون أنفسهم عن التدّنس بما فيه، وإذا سمعوا كلام ربهم تأثروا به، وفقهوا ما فيه، وأبصروا ما دل عليه، وهم الذين يدعون ربهم قائلين ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ ١ فلا همّ لهم بعد صلاحهم إلا أن يكون أزواجهم وذرياتهم قرة أعين، أي تقر أعينهم بهم لصلاحهم وإحسانهم، وطاعتهم لربهم، ويسألون ربهم أن يكونوا ممن يقتدى بهم في الخير، ولما كان دعاؤهم دعاء متوسل بما يرضي ربه، متقرب إليه بما يحب كانوا أهلًا لأن يدركوا ما أملوا من خير، قال ﷿ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ٢ ونعم ما جوزوا به، وهنيئًا لهم بفوزهم العظيم، نسأله جلت قدرته أن يجعلنا منهم بمنه، وكرمه، وفضله، وإحسانه؛ إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ الفرقان: ٧٤ ٢ الفرقان: ٧٥-٧٦
[ ٥٤ ]