لقد أثنى الله ﷿ ثناء جميلًا على المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ، وكذا الأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان ﵃ جميعًا، ثم ذكر الله ﷿ أهل الإيمان الذين جاءوا من بعدهم ممن اتبعهم واقتفى أثرهم بإحسان فقال ﷿ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ فهؤلاء التابعون المحسنون لا ينسون فضل المؤمنين السابقين لهم في كونهم قدوتهم في الإيمان، وهم الذين وصل إليهم عن طريقهم هذا الخير الذي وفّقوا له، ولذا نراهم يسألون الله ﷿ ضارعين أن يغفر لهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، ويدعون ربهم أن يسلَّ السخائم من قلوبهم ٣، فلا يبقي في قلوبهم غلًاّ ولا بغضًا ولا
_________________
(١) ١ الحشر: ١٠ ٢ السخائم جمع سخيمة: وهي الحقد والضغينة، وسلّ السخائم: أي إزالتها بلطف وترضّي.
[ ٥٠ ]
حسدًا للذين آمنوا، ويتوسلون لتحقيق ذلك بقولهم ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إنهم يتوسلون بكون ربهم ﷿ هو الرؤوف بعباده الرحيم بهم، ونعم ما توسلوا به؛ لقد توسلوا بوصفين لله ﵎، من مقتضاهما إجابة دعوة الداعين، وإعطاء السائلين سؤلهم.
ومما يدعو للتأمل ما وقع من نبي الله نوح ﵇ حيث دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يجد منهم غير الصدّ والإعراض، وإيذائه والمؤمنين به، فأمره الله ﷿ أن يصنع الفلك، فاستجاب لأمر ربه وصنع السفينة، ولما جاء أمر الله، وبدت علامات هلاك القوم، ركب نوح ﵇ ومن معه من المؤمنين، وحملوا معهم ما أمروا بحمله في الفلك قال تعالى ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ١ علم الله ﷿ رسوله نوحا أن يدعو بهذا الدعاء، وبعد أن قدّم من الوسائل ما يكون سببا في إجابة دعائه، وهي دعوته لقومه هذه المدة الطويلة، وصبره على أذاهم، واجتهاده في دعوتهم؛ إذ سلك كل ما يمكن أن يكون سببًا في هدايتهم، ثم استجابته لأمر ربه بصنع الفلك، ثم حمله عليها من كل صنف من الحيوانات والنباتات زوجين أي ذكر وأنثى، بعد هذه الوسائل أمر أن يقدّم بين يدي دعائه شكر ربه، وحمده على إنجائه والمؤمنين معه من القوم الظالمين، ثم أمر أن يدعو ويقول ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ وهكذا يختم دعاءه بالتوسل بكون ربه ﷿ خير المنزلين، أي أنت خير من أنزل عباده المنازل المباركة الطيبة بل لا ينزلهم تلك المنازل سواك.
_________________
(١) ١ المؤمنون: ٢٨-٢٩
[ ٥١ ]