ويمضي السياق الكريم فيذكر موقف يونس ﵇ بقوله ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: “هذه القصة مذكورة هنا وفي سورة الصافات٣ وفي سورة ن ٤، وذلك أن يونس بن متى ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل٥، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه، وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أنّ النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم، وأنعامهم، ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالها ٦، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ
_________________
(١) ١ الأنبياء: ٨٧-٨٨ ٢ الآيات ١٣٩-١٤٨. ٣ الآيات ٤٨-٥٠. ٤ في معجم البلدان ٧/٣٣٩ “نينوى بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح النون والواو”. قلت: والموصل مدينة كبيرة في شمال ما يعرف بالعراق اليوم. ٥ الرغاء: صوت الإبل، والفصلان جمع فصيل، وهي صغار الإبل، والخوار: صوت البقر، والثغاء: صوت الغنم، والسخال: جمع سخلة، وهي صغار الغنم.
[ ٤٥ ]
آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١.
وأما يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت٢ بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ ٣ أي وقعت عليه القرعة فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتًا يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا ٤، فإن يونس ليس لك رزقًا وإنما بطنك تكون له سجنًا.
وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك لقومه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ٥ وقال
_________________
(١) ١ يونس: ٩٨ ٢ يقال: لججت السفينة أي خاضت اللجة، وهي معظمه ووسطه، وهي أيضًا هيجان أمواجه وترددها. ينظر: القاموس ١/٢٠٥، ومختار الصحاح ص ٥٩٢، والمعجم الوسيط ص ٨١٦ مادة لجج. ٣ الصافات: ١٤١ ٤ أي لا تكسر له عظمًا. ٥ الطلاق: ٧، وينظر: تفسير الطبري ٧/٧٨، وروى ابن جرير ﵀ بسنده عن ابن عباس ﵄ ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ يقول: “ظن أن لن نقضي عليه عقوبة، ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه؛ إذ غضب عليهم، وفراره، وعقوبته أخذ النون إيّاه “.
[ ٤٦ ]
عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، أي نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر:
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يكن ذلك الأمر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ١ أي قدّر. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل٣“ وهنالك دعا يونس ﵇ قائلا ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنها دعوة تائب منيب إلى ربه، معترفٍ بخطئه، وقدّم بين يدي اعترافه بذنبه توحيد ربه بقوله ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ﴾ فهذا إقرار موقن بوحدانية ربه ﵎، ثم قال ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي أنزهك وأقدسك عما لا يليق بجنابك وبعظمتك، وبعد هذا التوسل العظيم، قدم أيضا إقراره بخطئه قائلا: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الظالمين لأنفسهم بفعل ما لا ينبغي فعله، وإنه لتوسل من أعظم أنواع التوسلات، فكان أن أجاب الله ﷿ دعاءه، قال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
ولذا قال رسول الله ﷺ “دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت
﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في
_________________
(١) ١ القمر: ١٢ ٢ الأنبياء: ٨٧. ٣ تفسير ابن كثير ٣/١٩١-١٩٢ ٤ الأنبياء: ٨٨ ٥ الأنبياء: ٨٧
[ ٤٧ ]
شيء قط إلا استجاب له” رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة ١.
[ ٤٨ ]