الفاتحة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين (١) الرحمان الرحيم (٢) مالك يوم الدين (٣) إياك نعبد وإياك نستعين (٤) اهدنا الصراط المستقيم (٥) صراط الذين أنعمت عليهم (٦) غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)
هذا نص هذه السورة الجليلة ويحسن بنا أن نضع - يا أخي القارئ المسلم - أمامك مختصرًا لتفسيرها حتى يسهل علينا جميعًا بيان وجه التوسل الذي يكون بين طيات هذه السورة الكريمة.
لقد اشتملت أم الكتاب - وهي سبع آيات - على حمد الله والثناء عليه وتمجيده وأفراده بالعبادة والاستعانة فلا يعبد إلا هو ولا يستعان بأحد سواه فلما تقدم الحمد والثناء والتمجيد وإفراده بالعبادة والاستعانة ناسب أن يعقب بعد ذلك بالسؤال والدعاء منه تعالى بالهداية إلى الصراط المستقيم.
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
[قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل .. فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال: (مالك يوم الدين) قال الله: مجدني عبدي، وقال مرة فوض إلي عبدي، فإذا قال:
[ ٦٠ ]
(إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل]
فقوله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» أي قسم سورة الفاتحة نصفين نصف له ﷾ وهو قوله تعالى في النصف الأول:
(الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين) أي هذا النصف الأول هو لله تعالى وذلك لأن العبد حمد الله تعالى وأثنى عليه بحمده وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده لا شريك له.
فأما الحمد فهو خالص دون كل ما برأ من خلقه على النعم الظاهرة والباطنة فاستغرق جميع أنواع الحمد وصنوفه لله تعالى وهذا الحمد إنما هو عمل صالح من العبد فلما حمده كان حمده هذا من أجل الأعمال الصالحة وأي عمل صالح أعظم من حمد رب العالمين المالك المتصرف في كل ما خلق في جميع عوالم السماوات والأرض وما بينهما على اختلاف أجناس هذه المخلوقات وأصنافهم مما نعلم وما لا نعلم وما الله به أعلم. فلا شك أنه الحمد الذي استغرق جميع أنواع الحمد لله سبحانه ولا ريب أنه من أجل أنواع الأعمال الصالحة.
ثم أثنى العبد على ربه باسميه: (الرحمن الرحيم) المشتقين من صفة الرحمة التي هي صفة له جل وعلا هذه الرحمة عامة لجميع خلقه. وإنما وصف الله نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: (رب العالمين) ليكون من باب بعد الترهيب فـ (الرحمن الرحيم) فيه ترغيب جاء من بعد ( رب العالمين) الذي فيه ترهيب وذلك مطابق للآية: (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) ٤٩ - الحجر
ثم مجد العبد ربه فقال: (مالك يوم الدين) أي أنه تعالى وحده المالك يوم القيامة لا يملك معه أحد ذلك اليوم كملكهم في الدنيا إذ يجوز في الدنيا أن يقول أحد ما: هذا ملكي .. هذا ما لي أما يوم القيامة، ليس لأحد ملك ولا مال ولما قدموا على خالقهم .. لم يقدموا عليه بأموال ولا أملاك
[ ٦١ ]
بل جاءوه فرادى كما خلقهم أول مرة والملك يومئذ لله الواحد القهار.
فعندما يقول العبد: (مالك يوم الدين) إنما يمجد الله تعالى بأنه الملك والمالك وليس لأحد ملك معه.
وإنك لترى يا أخي أن صبغة: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين جاءت بصيغة الغائب ولكن لما تلاها العبد: فحمد الله وأثنى عليه ومجده فقرب منه لأن هذا الحمد والثناء والتمجيد لمما يقرب إلى الله تعالى .. فلما قرب العبد من ربه فكأنه صار أمامه تمامًا فناسب أن يخاطبه بصيغة المخاطب فقال: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن رب العالمين ورب كل شيء والرحمن الرحيم بجميع عباده ومالك يوم القيامة وحده لا شريك له وملكيه .. يستحق أن يعبد وحده وأن يستعان به وحده. إذا هو معبود بحق فلا يملك غير هذه الصفات العلى ولا ينادي غيره بهذه الأسماء الحسنى فصاحب هذه الأسماء والصفات إله عظيم يحق أن تصمد له العبادة وحده وأن يستعان وحده في كل شيء فمن كانت له تلك الصفات الكاملة يستحق إفراده بالعبادة وحده لا شريك له.
وإنك با أخي لتلاحظ في قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) أنه قدم العبادة على الاستعانة لأن العبادة هي الغاية وأن الاستعانة هي الوسيلة إليها فإذا لم يعن الله عبده على طاعته ولم يطلب العبد إعانته على ذلك لا تحصل منه تمام العبادة .. أي إننا إذا لم نجعل طلب الإعانة من الله وحده لا تكون العبادة خالصة له.
وهكذا فإن العبد بقوله (إياك نعبد وإياك نستعين إنما حصر العبادة والاستعانة بالله وحده فـ (إياك نعبد) تبرؤ من الشرك (وإياك نستعين) تبرؤ من الحول والطول والقوة والتفويض إلى الله ﷿.
لا شك يا أخي القارئ الكريم في أنك مقتنع معي أن النصف الأول من الفاتحة هو لله تعالى خاصة .. لأنه مشتمل على الحمد له والثناء عليه والتمجيد لذاته العلية وإخلاص العبادة له واقتصار الاستعانة عليه.
[ ٦٢ ]
أما النصف الثاني منها: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فإن هذا النصف الثاني هو للعبد لأنه يسأل الله فيه الهداية إلى الصراط المستقيم أي صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا غير صراط الذي غضب الله عليهم الذين عرفوا الحق ومالوا عنه إلى الباطل وهم يعلمون أنه باطل!!! وهم اليهود وكل من شابههم من الأقوام الآخرين الذين عرفوا الحق وأنكروه وكانوا حربًا عليه وعلى أهله وغير الضالين الذين لم يعرفوا الحق ولم يهتدوا إليه ولا فتشوا عنه بل تخطبوا في كل مهمه وتاهوا في كل فقر فضلوا سبيل الحق لأنهم لم يسلكوا الطريق إليه وهم النصارى .. ومن شابههم من الأقوام الذين ضلوا سواء السبيل ولم يسلكوا طريق الحق ليوصلهم إليه فظلوا في ضلالهم يعمهون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
هذه سورة الفاتحة الجليلة وضعتها بشطريها أمام ناظريك يا أخي الحبيب في الله موجزًا تفسيرها لك تأكدت معي من أن الله تعالى أرشدنا فيها إلى التوسل إليه ﷻ بحمده والثناء عليه وتمجيده وبإخلاص العبادة إليه والاستعانة به وحده لا شريك له فلما قدم العبد كل لربه ﵎ متوسلًا إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده وإفراده بالعبادة ناسب أن يعقب بالسؤال وطلب حاجته وما حاجته إلا يهديه الصراط المستقيم فقال: (اهدنا الصراط المستقيم) إذا فإنه لم يدع قبل أن قرب عملًا صالحًا يكون له وسيلة لقبول الدعاء وإنه لم يدع إلا لأنه يعلم يقينًا أنه لا يهديه الصراط المستقيم إلا وحده لا شريك له
فرفع إليه الدعاء موقنًا بالإجابة ثم أوضح مطلبه عن نوعية هذا الصراط المستقيم الذي يحصر رغبته بالهداية إليه فقال: (صراط الذي أنعمت عليهم) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذي سبقونا بالإيمان ونهجوا في حياتهم المنهج القويم والصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف أي (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) أي غير صراط المغضوب
[ ٦٣ ]
عليهم الذين استحقوا الغضب من الله لانحرافهم - على علم - عن الحق الذي وضح لهم ولا صراط الضالين الذين تاهوا وضلوا بمتاهات بعدت بهم عن الحق ويحسبون أنهم على الهدى.
أن هذا الدعاء الواضح من جميع جوانبه والذي هو كلام الله الذي علم به عباده المؤمنين أن يدعوه به بعد تقديم التوسلات المشروعة التي سبقته، من حمد وثناء وتمجيد وإخلاص العبادة والاستعانة له لدعاء عرف كل من يدعو به كيف الحق لأهله أي علم أنه لن يهديه إلى الصراط المستقيم إلا الله ولن يجنبه مزالق الزلل ومهاوي الغضب إلا الله تعالى وتقدس.
فحق لهذا الداعي من ربه أن يستجيب دعاءه ويهديه إلى الصراط المستقيم وهذا الحق .. إنما هو حق أحقه الله على نفسه تفضلًا منه وتكريمًا وامتنانًا ﷻ لا إله غيره ولا رب سواه.
على أن هذه السورة الكريمة على فضلها وجلالتها ووضوحها ودلالتها غرب عن أذهان «بعض الناس .. !!؟» وما فيها من معاني التوسل إلى الله ﵎ الذي يحض هو على العمل به التوسل به إليه.
وغاب عن عقولهم ما يلفت الأنظار إلى ضرورة انتفاع قارئيها منها وما تدل عليه من الخير الذي من جملته هذه التوسلات العظيمة المفضية إلى استجابة الدعاء فعشوا عما فيها من هذا الخير وعمهوا عنه رغم أنهم يرددونها في صلواتهم مرات عديدة .. !!! كأن المراد من قرائتها .. سرد حروفها وألفاظها فحسب دون إمعان النظر في معانيها ومعرفة ما يتضمن هذا القول الحكيم من تعيين مراد الله من هذه السورة الكريمة المباركة.
تركوا ما فيها من توسلات كريمة يلجون بها إلى رحاب عفو ورحمته ومغفرته وتعلقوا بتوسلات غير مشروعة!!! فضلوا وأضلوا وذهبوا يحملون أوزارهم وأوزار من أضلوهم ولا أدري إذا كانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!!!؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٦٤ ]