فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه قال لرسوله - ﷺ -[علمني دعاء ادعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»] أخرجه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي.
لا شك أن العلم بالذنب انه ذنب مدعاة للتذكر بأن الله أعد للمذنبين عذابًا أليمًا ومن عرض نفسه للعذاب الأليم يكون قد ظلمها ظلمًا كثيرًا باقترافه الذنوب.
فعلم ذلك والمعرفة به يولد في النفس شيئين:
١ - الإقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه.
٢ - الإسراع إلى التوبة إلى الله واستغفاره تعالى من الذنب.
ومن أجل أن ترفع التوبة إليه تعالى لا بد قبل هذا أن تعترف بالذنب الذي اقترفته بأنه ذنب يقتضي التوبة إذ لولا الاعتراف بالذنب أنه وقع منك لا تسرع إلى التوبة والاستغفار وإذا كنت تظن أن هذا الذي وقع منك ليس ذنبًا بل قربة!!! فلا تفكر بالتوبة ولا بالاستغفار حتى ولا بالإقلاع عنه !! وهذا ما لفت رسول الله - ﷺ - نظر أبي بكر إليه وهو الاعتراف باقتراف الذنب
[ ١١٣ ]
وظلم النفس فقال له: [قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ..] وهذا تعليم منه - ﷺ - لأبي بكر ومن وراء أبي بكر يعلم الأمة جميعًا بالاعتراف لله تعالى فيكون حتمًا ندمًا والندم توبة ولا شك. فالاعتراف بالذنب عمل صالح أيضًا والتوبة إلى الله من الذنب عمل صالح كذلك.
فقوله - ﷺ -: [قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ] تضمن كل هذه المعاني التي تنم عن تلك الأعمال الصالحة. وقوله: [ولا يغفر الذنوب إلا أنت] هو معرفة واعتراف أيضًا بأنه لا يوجد في الأرض ولا في السماء ولا فيما بينهما أحد يغفر الذنوب إلا الله وهذا فيه توسلان: توسل باعترافه ومعرفته اللذين هما عمل صالح ثم علمه بأنه هو وحده غافر الذنب وقابل التوب هو توسل باسمه تعالى الغفار. ولولا علمه أنه غافر الذنب وحده لا شريك له وقابل التوب وحده لا شريك له لما استغفر ولا تاب إليه فاستغفاره والتوبة إليه علم منه بأنه وحده يطلب منه ذلك لأنه وحده القادر على ذلك وهذا الإيمان والعلم كذلك عمل صالح.
أرأيت يا أخي كم تجمع في قوله: [اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت ] من أعمال صالحة وتوحيد باسمه التواب والغفار ..؟ فبعد أن قدم دعائه كل هذه التوسلات بالأسماء والصفات والأعمال الصالحة شرع رسول الله - ﷺ - يعلمه بعد ذلك الدعاء: [ فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم] قف يا أخي قليلًا عند هذه «الفاء» من قوله: «فاغفر لي» وأمعن النظر جيدًا واستوضح ما فيها من معان تر إن هذه الفاء وحدها حملت كل المعاني التي تقدمت من التوسلات بالأعمال الصالحة وبالأسماء والصفات أي: فيما قدمت من اعترافي بذنوبي ومعرفتي وعلمي بها وندمي على ما فرطت وبتوبتي إليك وباستغفارك وبأنك أنت الغفار التواب اغفر لي بمغفرة من عندك وحدك لا شريك لك، وارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء فإنك وحدك أنت الغفور وأنت الرحيم ولا يغفر ولا يرحم إلا
[ ١١٤ ]
أنت ثم عاد مختتمًا دعائه بتمجيده وتعظيمه بأنه وحده هو الغفور الرحيم.
هكذا يعلم رسول الله - ﷺ - أبا بكر ومن ورائه الأمة كيف يتوسلون إلى الله بأعمالهم الصالحة حتى يغفر ذنوبهم ويرحمهم برحمته الواسعة هذا مراد رسول الله - ﷺ - من تعليم أمته كيف تدعو ربها ﷾ وكيف تتوسل إليه جل وعلا في الملمات والشدائد لتعلم علم اليقين بأنه لا ينقذها ولا يفرج كرباتها ولا يغفر ذنوبها وزلاتها إلا هو وحده لا شريك له.
هذه حقيقة مسلم بها بل هي أولى الحقائق فلا يعذر بالجهل بها أي مسلم ويجب أن تكون من بدهيات معلوماته الدينية وإلا فلا يكون إلا مسلمًا تقليديًا لا يثبت على أمر من أمور دينه الذي هو عصمة أمره والجهل ما كان في يوم من الأيام عذرًا مقبولًا عند الله تعالى لأن الجهل في العقيدة يؤدي إلى الكفر وصاحبه لا يدري إلى أين يقوده جهله.
فليهرع المسلمون إذن إليه تعالى في كل ما يلم بهم من ملمات فلا يدعوا في الشدائد إلا الله تعالى ولا يتوكلوا إلا عليه ولا يستعينوا إلا به ولا يستغيثوا بأحد غيره ولا يصرفوا أية عبادة من سائر أنواع العبادات إلا له ﷻ وتقدست أسماؤه لأنه ﵎ هو مستحقها وحده لا شريك له ولا يتوسلوا إليه سبحانه إلا بما علمهم في كتابه وفي سنة رسوله - ﷺ - وبما حضهم عليه من التوسلات التي شرعها ﷿ وبلغنا إياها عبده ورسوله وخيرته من خلقه وصفوته من عباده أبو القاسم محمد صلوات الله وسلامه عليه وتحياته ورحمت وبركاته فإذا أردنا أن ندعوا الله تعالى فلا نتوسل إلا بها لتكون من الأسباب المقبولة لاستجابة الدعاء إليه وبلوغ ما نتمنى منه من توفيق في الدنيا والآخرة ونصر على الأعداء مع ضرورة الأخذ بالأسباب التي شرعها الله وبالعمل المأمورين به بعد التوكل عليه تعالى في كل ما نفكر وما نعمل (وعلى الله فليتوكل المؤمنون).
[ ١١٥ ]