قوله - ﷺ - فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول:
[إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة
[ ١٥٦ ]
لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة] رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
هذا الحديث الكريم يبين لك ما هو فضل من يجيب المؤذن مثلما يقول ثم يصلي عليه ثم يسأل له من الله الوسيلة وهي المنزلة الرفيعة في الجنة التي لا تنبغي إلا لرجل أو عبد من عباد الله ويأمل رسول الله أن يكون هو ذلك العبد إن فضل ومكافأة من يجيب المؤذن ثم يصلي ﵊ أن يصلي الله عليه بها عشرًا أي عشر مرات في الملإ الأعلى وإن مكافأة من يسأل له الله والوسيلة هي أن تحل له شفاعته - ﷺ - يوم القيامة.
هذا ملخص لمعنى هذا الحديث الشريف إنما الشاهد من إيراده هو قوله - ﷺ -[ ثم سلوا الله لي الوسيلة ] أي: إن رسول الله - ﷺ - يطلب من جميع أفراد أمته أن يسألوا له الله الوسيلة التي هي المنزلة الرفيعة في الجنة وهذا دليل على صحة ما قلناه قبل صفحات: أن يجوز توسل الأعلى بدعاء الأدنى وهذا منه. فإن رسول الله - ﷺ - وهو أشرف مخلوق وأكرمهم على الله وهو أعلى أنواع المخلوقات رتبة ومنزلة عند ربه يطلب ممن دونه منزلة .. ! أن يدعوا الله له يعطيه تلك المنزلة الرفيعة السامية ومن فعل ذلك وعده رسول الله - ﷺ - أن يشفع له يوم القيامة.
فهذا رسول الله وأفضل خلقه وأشرفهم وأعلاهم منزلة يتوسل إلى الله تعالى بدعاء أمته له أن يعطيه الوسيلة والمقام المحمود في الجنة وكافأ من يعينه على ذلك بالدعاء أن تحل له شفاعته فيفوز بالجنة معه عليه أفضل الصلاة والسلام.
فهل من دليل دل على مشروعية التوسل إلى الله بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن من قول الله ورسوله؟ ومن سؤاله؟ ومن سؤاله بذاته ﵊ من أفراد أمته أن يسألوا الله له أن يعطيه تلك المنزلة السامية والمقام العظيم.
إنك معي يا أخي القارئ الكريم إذا قلت: إن قليلًا ما هم يتوسلون إلى الله بتلك التوسلات المشروعة! وإنك لترى غالبية الأمة بما فيها الخاصة
[ ١٥٧ ]
إلا من رحم ربك يتوسلون إلى الله بالتوسلات الممنوعة التي أمرنا بها الله تعالى، ولا رسوله - ﷺ - فلماذا يفضلون بل يلتزمون التوسلات الممنوعة ويعزفون عن تلك التوسلات المشروعة ؟!! نعم لماذا لا يتوسلون بها .. وهم يعلمون أنها واسطة استجابة الدعاء ونوال المبتغى من الرضوان والرحمة والمغفرة ؟ أقول لماذا وألف ألف لماذا لا تفعلون ولا تأتمرون ؟!! وأنتم الورثة والقدوة ورثة نور النبوة وورثة علم المرسلين الذين لم يخلفوا درهمًا ولا دينارًا بل أورثوكم العلم وحملوكم الأمانة .. أمانة تبليغه إلى الأمة ولكنكم لم تحملوها ولم تؤدوها !! لماذا ..؟! لماذا إذًا أنتم الوارثون؟ ولهذا الإرث محتكرون ..؟ وما أنتم للعلم مبلغون ولا للأمانة مؤدون.
وعلى كل سوف نفرد لهذه المعالجة والمناقشة - بل المحاكمة - فصلًا خاصًا إن شاء الله ونكتفي الآن بهذا القدر لنترك المجال للراوي الكريم .. يروي لنا نص الدعاء الذي يدعونا نبينا ﵊ أن نسأل به الله له أن يعطيه المنزلة الرفيعة والمقام المحمود وتعالوا يا قراءنا المسلمين الأعزاء نصغ جميعًا إلى الأئمة الأجلاء وهم يروون لنا عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول - ﷺ - قال:
[من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة (١) والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي] رواه: البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
_________________
(١) يفهم من هذه الجملة: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ) أي الدعوة إلى الصلاة وهي الأذان أنه دعوة تامة غير ناقصة بشهادة رسول الله - ﷺ - فإذا كان دعوة تامة فما معنى هذه الزيادات التي يستحسنها (البعض ؟) على الأذان ؟ رغم التمام الذي شهد له رسول الله. فلو أنهم يعتقدون في صيغة الأذان أنها دعوة تامة لما استحسنوا الزيادة عليها. وهذا وما يدعونا إلى تذكيرهم بأن الذي سمى الأذان دعوة تامة هو المعصوم الذي ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى - ﷺ - فهل يستغفرون الله أم يظلمون معاندين ويستحسنون !!!
[ ١٥٨ ]
وهذا ترغيب بشفاعة رسول الله - ﷺ -. . فمن أحب أن يكون رسول الله - ﷺ - شفيعًا له يوم القيامة فليواظب على الدعاء لرسول الله - ﷺ - بهذا الدعاء بعد كل أذان.
كل هذا الترغيب حتى ينال منك رسول الله - ﷺ - هذا التوسل له إلى الله أن ينيله الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود ويعطيه هذا الفضل العظيم وإنه سينيله حتمًا ويعطيه بلا شك ولا ريب ذلك المقام الرفيع العظيم المحمود ولكن لا بد من السبب المشروع لنوال ذلك وهو توسل أفراد أمته جميعًا عقب كل أذان ولا شك أن رسول الله - ﷺ - قد اختار الوقت الذي فيه الدعوة لا ترد وهو وقت إستجابة الدعاء.
فعن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:
[الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد] رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وزاد: [فادعوا] وزاد الترمذي في رواية: [قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة»].
فتأمل يا أخي القارئ المسلم كم لتوسل المؤمن إلى الله بدعاء أخيه المؤمن له من الفضل والاستجابة وخاصة بعد الأذان وعند حضور الجهاد في سبيل الله تعالى.
إذًا فهذا النوع من التوسل المشروع توسل عظيم مستجاب: كيف لا والرسول الأعظم يطلبه من أمته وذلك دليل على أنه من الخير العميم الذي دل أمته عليه ولم يترك خيرًا يعود على أمته إلا وأمرها به ولم يترك شرًا يعود أمته إلا وحذرها منه جزى الله عنا نبينا محمدًا - ﷺ - ما هو أهله.
الدليل الثاني
وهذا هو - ﷺ - يطلب من عمر - ﵁ - أن يدعو له وهذا دليل آخر على شرعية التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن وكل ذلك ولا شك تعليم لنا حتى نقتدي به - ﷺ - وإليك لفظ الحديث
عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال:
[ ١٥٩ ]