قوله تعالى:
ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (١٩٣) ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (١٩٤) فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم ومن بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب (١٩٥) آل عمران
وقوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فأمنا ) هذه الآية الكريمة واضحة وضوحًا تامًا وظاهرة ظهورًا لاخفاء فيه ولا غموض بأن الإيمان عمل صالح عظيم بل هو رأس الأعمال الصالحة بل هو ركيزتها وأساسها المتين وكل عمل مهما كان صالحًا في ذاته وغير مرتكز على الإيمان فهو هباء منثور ولا شك أن الإيمان وسيلة مقبولة عند الله تعالى لتقبل الدعاء.
ولهذا ترى أن أولي الألباب يقولون: (ربنا إننا سمعنا مناديًا) أي ربنا إننا سمعنا عبدك ورسولك محمدًا صلوات الله وسلامه عليه ينادي في الناس كما أمرته: (أن آمنوا بربكم) الذي خلقكم وأنشأكم فهو أحق بالعبادة (فآمنا) أي صدقناه وأطعنا ما أمرنا به وما دعانا إليه لأن ما جاء به إنما هو
[ ٨٨ ]
منك وإنك أنت الذي أرسلته للناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور واتبعناه فإنه هو الصادق الأمين.
قف هنا يا أخي المسلم الكريم وتأمل قوله تعالى على لسان عباده أولي الألباب (فآمنا) كم هذه اللفظة خفيفة على اللسان وكم هي ثقيلة في الميزان ..؟ وانظر ضخامة معناها إنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره والإيمان بكل ما حوى كتاب الله دخل القلوب وملأها وتخلل شغافها واستقر بها وفاضت من هذه القلوب النابضة آثار هذا الإيمان على الجوارح فعملت بكل ما يرضي الله تعالى وطبقت كل ما أمر .. وانتهت عما يسخطه وما عنه زجر ثم علم أولو الألباب كم هي منزلة هذا الإيمان عند رب الأرباب فتقدموا بهذا الإيمان إليه تعالى متوسلين به عنده وكل ذلك فهمناه من هذه (الفاء) من قوله تعالى: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) أي بسبب استجابتنا لنداء رسولك وإيماننا بما دعانا من الحق والخير والهدى، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وامح عنا سيئاتنا واقبضنا إليك مرحومين مغفورًا لنا وألحقنا بالصالحين الأبرار الذين بروا بما وعدوا من الاستقامة على هذا الإيمان إلى أن قبضتهم إليك وأنت راض عنهم. (وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) وهنا واصلوا دعاءهم بأن ينيلهم ما وعدهم على لسان الرسول وألسنة الرسل من قبله من المغفرة والرضوان والجنة متأكدين وموقنين ومطمئنين إلى أنه تعالى سيبر بوعده ولا شك لأنه ليس من صفاته العلى الإخلاف بما وعد فلا أحد أوفى بعهده من الله تعالى.
فما ظنك يا أخي بالله الذي سمع توسلات عباده التوسلات التي يرضى عنها وهي التي أمرهم بها هؤلاء العباد الطائعين المؤمنين حقًا أيستجيب دعاءهم أم لا ؟ لا شك أنك ستقول: بل سيستجيب لهم دعاءهم ولا شك. ولذا جاء قوله تعالى طبق عبده المؤمن به فقال عز من قائل: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أثنى بعضكم من بعض فالذين
[ ٨٩ ]
هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب)
أجل .. إن الله عنده حسن الثواب لعباده المؤمنين الطائعين كيف لا وأنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأهليهم وأموالهم وأوذوا أشد الإيذاء في سبيل الله وقاتلوا الكفر وأهله فمنهم من قضى نحبه في سبيله تعالى ومنهم من ينتظر وما بدلوا لا هنوا ولا تراجعوا بل ثبتوا حتى نصرهم الله تعالى.
نعم كيف لا وهم الذين وصفهم الله بأنهم أولو الألباب الزكية والعقول المستقيمة الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم الحياتية وبمختلف أنواع الذكر ويتفكرون في الخالق والخليقة فزادهم فهمًا وإدراكًا كالحقيقة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والأفعال وإن هذا الخلق ما خلقه الله عبثًا ولا صدفة ولا باطلًا ولما نادى منادي الإيمان - ﷺ - ودعاهم إليه أسرعوا إلى الإيمان بالله تعالى ونبيه وكتابه وبكل ما جاء فيه من الهدى والخير والحق.
ثم قدموا كل ذلك توسلات إليه تعالى لتكون هذه التوسلات الحقة سببًا في قبول دعائهم واستجابته وأكد سبحانه تكفيره سيآتهم وإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا منه سبحانه والله عنده أحسن الثواب ﷻ ولا إله غيره ولا رب سواه.
فهيا أيها الأخوان المؤمنون إلى العمل الصالح نعمله لوجه الله خالصًا له ليكون لنا ذخرًا ووسيلة إليه ﷿ وقربى لجنابة العظيم لا نبتغي إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام.
فإن دعوناه بها أجاب دعاءنا وادخلنا جنات عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
[ ٩٠ ]