قوله تعالى:
لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (٢٨٤) ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير (٢٨٥) لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (٢٨٦) البقرة
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال [لما نزلت على سول الله - ﷺ -:
(لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبيدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - فأتوا رسول الله - ﷺ - ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد
[ ٦٨ ]
والصدقة وقد أنزلت هذه الآية لا نطيقها فقال رسول الله - ﷺ -: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما أقر بها القوم ونطقت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل سبحانه: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)] رواه مسلم، ولفظه: [ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال: نعم، (ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا) قال: نعم (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) قال: نعم (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال: نعم] وفي رواية ابن عباس: [قد فعلت]
يتضح من الآيات الثلاث خواتيم سورة البقرة ومن حديث الإمام أحمد ولفظ مسلم: أنه شق على المسلمين أن يحاسبوا حتى على أحاديث النفس الخفية فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - وصارحوه بأنهم لا يطيقون ذلك.
لنقف هنا هنيهة لنرى تأديب الرسول الأعظم لأمته ونصحه المحض لها .. ولننظر كيف أدبهم قال ﵊ بأبي هو وأمي: [أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا ؟!!! بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
هكذا الراعي الصالح والرسول الأمين يمحض النصح والتأديب لأمته ولولا هذه النصيحة المخلصة المحضة لهلك المسلمون من قولتهم: هذه آية لا نطيقها!!!
بأبي أنت وأمي يا رسول الله أشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة فجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[ ٦٩ ]
أجل علمهم - ﷺ - ماذا يقولون: (سمعنا وأطعنا ) فلما أقر بها القوم ونطقت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ) هذه نتيجة لقولهم: سمعنا وأطعنا وهذا هو شاهدنا من هذا الحديث أي قولهم سمعنا وأطعنا أجل سمعوا قول الله تعالى: ( وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ثم أطاعوا كما علمهم رسول الله - ﷺ -، فما قولك بقوله: سمعنا وأطعنا أليس هو عملًا صالحًا ؟
أجل إنه عمل صالح وأي عمل صالح أعظم من السمع والطاعة ؟
وهل الدين إلا سمع وطاعة ..؟ السمع: أي استماع الأمر من آمره ﷿ والطاعة: تنفيذ هذا الأمر بحذافيره دونما زيادة أو نقصان إذا: فالسمع والطاعة جماع العمل الصالح أو هو الدين كله وما الدين إلا الأوامر والنواهي والائتمار والانتهاء وهكذا فإنهم قدموا هذا العمل الصالح، وهو قولهم: سمعنا وأطعنا ثم عقبوا بالدعاء فقالوا: (ربنا إنك ربنا) أي نطلب المغفرة منك يا رب مما أخطأنا بقولنا: هذه آية لا نطيقها
وإنك لترى يا أخي المسلم إنهم لم يرفعوا الدعاء إلى الله بالمغفرة وإلا قدموا بين يدي دعائهم وسيلة بالعمل الصالح وهو: (سمعنا وأطعنا) ثم رفعوا دعاءهم (غفرانك ربنا وإليك المصير).
ما ظنك يا أخي برب يستغفره عبده مخلصًا تائبًا منيبًا مقرًا بذنبه راجعًا عنه إليه أتراه يطرده من رحمته!!!؟ أم يتقبل دعاءه ويغفر ذنبه ؟ (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا أنه هو الغفور الرحيم) ٥٣ - الزمر. أجل إنه تقبل دعاءه وغفر ذنبه.
وهنا أخبر الله تعالى أنه على بما دار بين الرسول - ﷺ - وبين أصحابه الأبرار - ﵃ - من الحديث تعليم رسول الله لهم، تعليمه منه سمعهم وطاعتهم واستغفارهم فقال جل وعلا: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد م رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير). ثم نسخ ما أنزل
[ ٧٠ ]
من قوله تعالى: (.. وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) بقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
وهذا لا شك تخفيف عن عباده فهو الذي خلقهم وهو الذي يعلم تحملهم إنما أنزل الآية الأولى اختبارًا لهم أيقولون سمعنا وأطعنا أم يقولون: سمعنا وعصينا؟ وهو ولا شك أعلم بما سيقولون قبل إنزال الآية ولكنه أنزلها حتى تكون سببًا في تعليمهم ماذا يقولون وهكذا كان فعلمهم رسول الله - ﷺ - إذا أرادوا أن يرفعوا دعاء للرب ﵎ أن يقدموا بين يدي دعائهم توسلًا بالعمل الصالح ففعلوا فنسخ الله آية الاختبار بآية التكليف بالوسع وأنه لا يثيب أحدًا إلا بما كسبه من عمل صالح ولا يعاقبه إلا بما يجترحه من العمل السيء وهذا هو الفضل والعدل. (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) ثم شرع الله تعالى يعلم عباده كيف يتضرعون إليه ﷿ فقال عز من قائل: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين).
وفي هذه المناسبة الجليلة أذكرك يا أخي المسلم أن هذه الآيات هي خواتيم سورة البقرة التي عناها - ﷺ - بقوله: [أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش] رواه أحمد عن أبي ذر.
والخلاصة فإنه يتضح مما تقدم كيف يعلم الله ورسوله المؤمنين الدعاء وأيًا من الدعاء يكون مستجابًا وهو الذي سبقه توسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة من السمع والطاعة والتوبة إليه سبحانه. ثم يلفت أنظارنا إلى أن الدعاء المستوفى في شروط القبول، يكون مقبولًا وأحيانًا يقبل فورًا .. فما علينا نحن المسلمين لو تمسكنا بهدي الله رسوله - ﷺ - وتقيدنا بتعاليمهما التقيد التام طالما نعتقد أنه لا مجيب للدعاء إلا هو سبحانه ونتمسك حرفيًا بما أنزل دون أن نجتهد في أمره .. ! ويؤدي بنا هذا الاجتهاد إلى نسخ أمره
[ ٧١ ]
بأهواء ابتدعناها من عند أنفسنا !!! وهي: أن نتوسل إليه بأحد مخلوقاته دون العمل الصالح بداعي أنه ليس لدينا عمل صالح ولا ندري إذا كانت أعمالنا مقبولة عند الله حتى نتوسل بها إليه
أرأيت يا أخي كيف يدخل الشيطان هذه الشبه علينا ..؟ وبدلًا من أن نطرد وساوس الشيطان بالكتاب والسنة نسينا الكتاب والسنة وأحللنا مكانها هذه الوساوس التي سولها لنا اللعين فأطعناه وعصينا الله ورسوله ونحن من جهلنا نحسب أننا نحسن صنعًا !!
ألا أن الخير والحق كل الحق أن نرجع إلى الوحيين كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - ﷺ - ونعود إلى تعاليمهما والاكتفاء بهما فإذا عدنا إلى أحكامهما وقارناها بواقعنا الذي نحن فيه نتأكد تمامًا كنا على الباطل ويحفزنا هذا التأكيد .. للرجوع إلى الحق بدل التمادي في الباطل وما بعد الحق إلا الضلال.
[ ٧٢ ]