قوله تعالى:
وقال موسى يا قوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (٨٥) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (٨٦)
يونس
التوكل على الله عبادة عظيمة له سبحانه والتوكل عليه يجب أن يكون في كل شيء ومن توكل عليه تعالى حق التوكل لا يخيب في أي مسعى يسعاه في دنياه وآخرته ولكن يجب أن يكون مرافقًا للعمل والأخذ بالأسباب فإن من يتكل على الله في دخول الجنة ولا يعمل لها عقيدة وعبادة وعملًا فلن يدخلها! وكذلك في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة فيجب لكل عمله على أن لا نعتقد أن أعمالنا هي التي تفضي إلينا بالنجاح وحدها بل بتوفيق الله تعالى ورحمته.
[ ١٠١ ]
فمثلًا أنا لا أربح بتجارتي ولا أوفق بزراعتي ولا أفوز في أي ربح بمجرد خبرتي وعلمي فحسب بل يجب أن يكون هذا موفورًا بتمامه وأتوكل على الله في الفوز بما أتمناه ولهذا: قال رسول الله - ﷺ -[«لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا ولا أنت يا رسول الله. قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»] فلا يصبح العمل بلا توكل على الله كما لا يصح التوكل بلا عمل فعندها يكون تواكلا لا توكلًا ويتمنى صاحبه على الله الأماني دون أن يأخذ بأسباب نيل الأماني
قدمنا هذه الكلمة بين يدي البحث لنعلم نوعية التوكل الذي يرضاه الله فهو سبحانه يحب
التوكل لا التواكل وهذا ما أمر به أنبياءه أن يبلغوه عباده .. ولم يحض نبيًا به ويستثنى آخرًا منه بل أوصاهم جميعًا بالتوكل عليه.
وهذا موسى ﵊ يخبرنا الله عنه: (وقال موسى لقومه يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) أي إن كنتم آمنتم بالله حقًا في جميع صفاته وأسمائه فيلزمكم هذا الإيمان أن تتوكلوا عليه سبحانه في كل أموركم لأن تمام صفات المؤمن المسلم أن يتوكل عليه وهو الذي يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخليق بهذا الإله العظيم الذي له هذه الصفات الكاملة التامة أن تسلم أمورك إليه مع مراعاة ما أمرك به من العمل وقول موسى ﵊: (إن كنتم مسلمين) أي إن اتخذتم الإسلام دينًا ومبدأ يجب إلزامًا أن تظهر آثار إسلامكم عليكم فتسلموا أموركم إليه وتتوكلوا عليه وتطمئنوا إلى نتيجة ما يقدره الله عليكم وترضوا بذلك ظاهرًا وباطنًا وهذا التسليم هو أحد معاني الإسلام.
فما كان من قومه المؤمنين إلا أن استجابوا: (فقالوا على الله توكلنا) فنالوا بقولهم أجرين على عملين صالحين الأجر الأول: طاعتهم لأمر نبيهم بالتوكل على الله وهذه الطاعة لنبيهم عمل صالح ولا شك والأجر الثاني: توكلهم بالفعل عليه تعالى أي تنفيذ عملية التوكل على الله ولا شك أن التوكل عليه سبحانه عبادة مباشرة لله تعالى وأنه جل وعلا أهل لذلك فرفعوا هذين العملين إلى
[ ١٠٢ ]
الله تعالى وسيلة بين يدي دعائهم إليه فلم يدعوا إلا أن قالوا (على الله توكلنا) مستحضرين المعنيين السابقين ودعوا: (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) أي لا تنصرهم علينا فيظنوا أنهم إنما نصروا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك ويفتن المؤمنون بدينهم.
فانظر يا أخي المسلم أن مؤمني قوم موسى توسلوا - بأمر نبيهم عن أمر الله - بأعمالهم الصالحة التي هي طاعتهم لنبيهم وتوكلهم على ربهم وجعلوها قربات إليه بين يدي دعائهم ثم دعوا الله ألا يجعلهم فتنة لعدوهم ولا فتنة لأنفسهم هكذا علمهم نبيهم ورسوله عبد الله موسى ﵊ الذي ما ينطق عن الهوى فإنه هو وسائر الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم وأذكى التحية إنما يوحى إليهم فلا يقولون شيئًا استقلالًا من عند أنفسهم بل إنما هو الوحي الإلهي يتنزل عليهم منه ﷾ وتبارك وتقدس.
فمن هذا نعلم أن موسى ﵊ لما قال لهم: ( إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) ما قاله من عند نفسه، إنما بوحي وأمر وتعليم من الله تعالى.
إن قوم موسى ﵊ استجابوا لأمر نبيهم فتوكلوا على الله سبحانه ودعوا متوسلين إليه تعالى باستجابة أمر نبيهم وطاعتهم له وبتوكلهم الفعلي على ربهم ﵎ أن ينصرهم على عدوهم ولا ينصر عدوهم عليهم.
فما ظنك يا أخي المسلم ما ظنك بالله تعالى ..؟ أتراه سبحانه يستجيب دعاءهم وينصرهم على أعدائهم ؟ أم أنه لا يفعل !!! لا بل أنه سيفعل ويستجيب وإنه قد استجاب إنه هو السميع المجيب.
نعم نعم إنه قد استجاب دعاءهم ونصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا مؤزرًا وحسبهم من هذا النصر المحجل المبين أنه لم ينجهم من فرعون وأسره وإذلاله ومن اضطهاده لهم فحسب بل أغرق لهم عدوهم فرعون
[ ١٠٣ ]
بقضه وقضيضه وتاجه وصولجانه وكامل عدده وعدته وعدده العديد !!! وأعينهم تنظر ذلك وتشتفي صدورهم بل وكل ذرة من ذرات وجودهم بذلك المصير الذليل والخاتمة المقهورة مصير فرعون الظالم المسرف وخاتمة ذلك المتغطرس المتأله !!! وهو يغرق بكامل جيشه.
فقد أذله الله وقهره وأورث الله موسى وقومه الأرض من بعده يتبوؤنها بما فيها من مخلفات وخيرات وجنات وعيون .. (فأخرجناهم من جنات وعيون (٥٧) وكنوز ومقام كريم (٥٨) كذلك وأوثناها بني إسرائيل (٥٩) الشعراء) وما ذلك إلا بفضل الله ومنته وكرمه ورحمته.
أرأيت يا أخي المسلم الحبيب كيف ينصر الله عباده المؤمنين ويستجيب دعاءهم لما توكلوا عليه ثم رفعوا توكلهم على ربهم وطاعتهم لرسوله وسيلة إليه ﵎ لا ستجابة دعائهم ؟
هذه أمثلة حية رائعة ناطقة بالحق والصدق يسوقها الله تعالى في قرآنه خاتم الكتب لا للمرور بها مر الكرام دونما عظة أو اعتبار بل للتأسي بمن كانوا قبلنا بأعمالهم الصالحة وتوسلاتهم بها إليه تعالى.
فهيا أيها الأخوة المؤمنون هيا يا أهل القرآن نلتزم بما التزم به المؤمنون من قبلنا وهيا للعمل الصالح المرضي المقبول نعمله مطمئنين ونرفعه إلى الله متوسلين به إليه واثقين بالإجابة.
اللهم اجعلنا بفضلك ومنك وكرمك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنك يا مولانا سميع قريب مجيب الدعاء والحمد رب العالمين.
[ ١٠٤ ]