سيد الاستغفار
قوله - ﷺ - فيما رواه عنه شداد بن أوس الأنصاري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:
[سيد الاستغفار أن يقول العبد: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي. فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
من قالها في أول النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها من الليل موقنًا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة] أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي والنسائي.
يرشدنا نبينا ومحمد عبد الله ورسوله في هذا الحديث إلى صيغة استغفار نستغفر بها الرب الجليل ﵎ وتقدس كيف لا وإن هذا الاستغفار وصفه
[ ١٢٥ ]
الذي ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيد الاستغفار أي أجوده وأحسنه وأقربه إلى الإجابة من الله جل وعلا ذلك لما حوى من أسباب الاستجابة من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات والعمل الصالح من معاهدة الله على البقاء على العهد والوعد بإخلاص العبادة لله والعوذ به من شر النفس وصنعها والاعتراف بنعمة الله والاعتراف بالذنب والاستغفار منه إليه ﷾ لأنه ليس من أحد في الأرض ولا في السماء يستطيع أن يغفر الذنب إلا هو سبحانه جل وعلا.
بدعي أن يرشدنا نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام إلى أفضل الأعمال وإلى سيد الاستغفار وإلى معالي الأمور فهو بنا الرؤوف الرحيم (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليه بالمؤمنين رؤوف رحيم) ١٢٨ - التوبة وبشرنا ﵊ بأن من قالها في أول النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها في الليل موقنًا بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة.
بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما تركت لنا شيئًا يقربنا من الجنة من قول وعمل إلا وأمرتنا به وما تركت لنا شيئًا يقربنا من النار من قول وعمل إلا حذرتنا منه فجزاك الله عنا وعن الإسلام والمسلمين ما أنت له أهل صلى الله عليك وعلى آلك وأصحابك ومن تبعك بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
على أن لنا - ولا شك - شاهدًا من هذا الحديث فيما نسوقه من أدلة صحيحة على أحقية ما نعالجه من موضوع التوسل المشروع وخاصة في بحثنا هذا .. من التوسل بالعمل الصالح فإن الناظر في هذا الحديث يتأكد تمامًا مشروعية التوسل بالأعمال الصالحة لا سيما وأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما يذكره لنا ولا يعلمنا إياه إلا ليلفت أنظارنا إلى ما فيه من التعليم والإرشاد إلى التوسل الذي جاء في هذا الحديث فسنوضحه لك يا أخي المسلم حتى يتجلى لك الدليل واضحًا والحجة ناصعة .. بأن رسول الله - ﷺ - لا يدعو
[ ١٢٦ ]
إلا ويقرب بين يدي دعائه عملًا صالحًا يتقرب به إلى الله تعالى ثم يدعو وإليك البيان من هذا الحديث:
يقول ﵊: سيد الاستغفار أن يقول العبد أي أحسن ما يمكن أن يقول العبد مستغفرًا ربه تعالى: [اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت] أي أنت ربي الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته لا رب لي سواك ولا إله لي غيرك أي لا معبود لي من دونك وكيف يمكن أن يكون لي معبود غيرك وأنت الذي خلقتني وأنعمت علي وتعهدت خلقي إلى أن صرت رجلًا وما زلت أتقبل بنعمتك ولا أزل فكيف أعبد سواك وهل يعبد غير الذي خلق وأنعم ؟ [خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي ربي الذي خلقتني من العدم وسويتني بشرًا سويًا وأنا عبدك عاهدتك أن لا أعبد سواك فأنا على العهد والوعد مقيم ولا أدخر وسعًا خاقته بي إلا وأبذله في طاعتك ومرضاتك فسأفرغ كل جهدي ووسعي في تنفيذ ما أمرتني به وأنت المطلع على النيات والمقاصد والخفايا [أعوذ بك من شر ما صنعت] أي أعوذ بك من شر نفسي وما يوسوس لها الشيطان من سوء العمل ويزينه لها اللهم إني أعوذ بك منه لا يدفعه عني إلا أنت [أبوء بنعمتك علي] أي اعترف بنعمتك الوافرة التي لا تعد ولا تحصى فنعمتك السابغة على التي أتلمسها في نفسي في كل لحظة ونفسي ما زلت غارقًا بها [وأبوء بذنبي] أي أعود معترفًا بذنبي وما بدر مني من الخطايا بأنني أنا الذي فعلتها ولا أنسبها إلا إلى نفسي لأنني أنا الذي فعلتها واقترفت شرها فالخير كله بيديك والشر كله ليس إليك وأنا فاعله ومقترفه.
كل هذا الذي مر في هذا الابتهال من توحيده تعالى بربوبيته وألوهيته وبما عمل العبد من عمل صالح من إيمانه بخالقية الله وعبودية المخلوق وإفراده لله بالعبادة وحده وإقامته على عهد ووعد العمل بأوامر الله الانتهاء عن نواهيه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا واعترافه بنعمة الله عليه واعترافه بذنوبه لديه كل هذا قربه توسلًا إلى الله بين يدي دعائه وابتهاله إليه ثم شرع يدعو الله تعالى قائلًا: [فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت] أي مؤمنًا إيمانًا جازمًا بأنه لا أحد يغفر أو يعفو إلا هو فاتجه إليه وطلب المغفرة منه وأنه قد عرف الحق
[ ١٢٧ ]
لأهله فكان هذا سببًا في قبول الدعاء وإعطاء السؤل وإجابة الطلب: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير) (٢) غافر
هكذا يا أخي المسلم الكريم فقد رأيت كيف يحرص النبي على أمته توجيهًا وتعليمًا وإرشادًا فيوجهها خير وجهة ويعلمها أنفع علم ويرشدها إلى أقوم طريق وأهدى سبيل - ﷺ - وجزاء عنا وعن الإسلام والمسلمين ما هو أهله وسلم تسليمًا كثيرًا.
فإذا كان حرصه - ﷺ - هكذا أفلا نكون متبعين بذلك لهديه - ﷺ - لا سيما والمردود ولا شك مردود خير على أنفسنا فما أحرانا نحن أن نوجهها بتوجيهه الكريم وننفذها بتعاليمه الهادية التي لا يأتيها الباطل ونرشدها إلى سبيله الأقوم فيقودنا إلى ما يجب الله لنا ويرضى.
ولا يهمنا بعد رضاء الله سبحانه أحد أما سخط الناس وحنقهم وغضبهم فهذا ما تعهد الله جل وعلا أن يكفينا مؤونته فهو الذي سيحق الحق ويعلي كلمته وينصر دينه ويجعل كلمته هي العليا ويلين لها القلوب والأفئدة [اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك].
[ ١٢٨ ]