قوله تعالى:
والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ذنوبنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم (١٠) الحشر
ذكر الله تعالى في كتابه العزيز من يستحق الفيء وهو: كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب أي لم يقاتلوا الأعداء بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب ما ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله - ﷺ - كما حصل لبني النضير فأفاء الله أموالهم التي تركوها على رسول الله خاصة. ولهذا تصرف في فيء بني النضير كما يشاء
قد لا يكون للكلام المتقدم علاقة في البحث الذي نعالجه «بحث التوسل» ولكن من أجل الوصول إلى ما نبغي لابد لنا أن نستعرض باختصار الآيات التي سبقت هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد التركيز عليها لاعتبارها دليلًا على ما ذهبنا إليه من جواز التوسل بدعاء المؤمن لأخيه المؤمن ففي تلك الآيات التي تقدمت هذه الآية حدد الله فيها مستحقي الفيء فقسم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام: ١ - المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء فضل الله تعالى ونصره لله ورسوله الذين صدقوا في كل وقول صدر عنهم.
٢ - الأنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله وآووا رسول الله الذين هاجروا إليهم مع إخوانهم المهاجرين فقاسموهم الأموال ويؤثرونهم على أنفسهم
[ ١٥١ ]
ولو كان بهم خصاصة فقد وقوا شح أنفسهم وأفلحوا ونجحوا.
٣ - والذي جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان هؤلاء المذكورون في هذه الآية هم المؤمنون المسلمون عامة والتابعون لهم أي المهاجرين والأنصار والمتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة والداعون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان في السر والعلانية.
وهنا نقف قليلًا عند قوله تعالى: (يقولون ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) ولا شك أن الله تعالى عندما يذكر هؤلاء وهم المؤمنون والمسلمون الذين اتبعوا المهاجرين والأنصار في كل ما تلقوه عن الرسول - ﷺ - قولًا وعملًا وعملوا بمثل ما عملوا ثم يدعون لهم أن يغفر لهم أي لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان لأنهم كانوا لهم هداة ومصابيح دلالة على الحق وبأسباب هذه الهداية كانوا مؤمنين ومسلمين فجزاء ما كانوا سببًا لذلك كان دعاؤهم لهم بالمغفرة والرحمة.
إذا فهؤلاء الذين جاءوا من بعدهم يتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء لهم بالمغفرة جزاء ما أخذوا عنهم الصلاح والهدى والخير والحق وهذا دعاء بظهر الغيب من مؤمنين لمؤمنين قبلهم أخذوا عنهم الدين والإيمان وقد يكون هؤلاء بعيدين عنهم مئات السنين ولكن الدعاء يقطع عبر القرون السحيقة حاملًا لأولئك الرحمة والمغفرة من الله تعالى جزاء ما أسلفوا وخلفوا لمن بعدهم من الدين الصحيح والإيمان الحق.
وإن القرآن الكريم ليذكر صنيعهم الطيب بالرضا والتأييد ويسجل دعاءهم بالمغفرة لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان ويهب بكل من تلقى من سلفه هديًا مماثلًا أن يدعو لهم دعاء مماثلًا بالمغفرة وهذا مما يدل دلالة قاطعة أن الله ﷾ راض عن عملهم ودعائهم أيضًا سواهم على متابعة خطاهم أيضًا واتباعهم في هديهم مع سلفهم إلى أن تقوم الساعة فعمل يكون الله مؤيدًا له وحاضًا عليه لا شك أنه يدل على مشروعيته القطعية التي لا غموض فيها.
[ ١٥٢ ]
ولعل هذا الوصف لموقف الذين جاءوا من بعدهم من بعد قرون الخير والهدى المتبعين هدي من كان قبلهم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومن الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يهيب بمؤمني هذا الزمن أن يكون موقفهم موقف الذين وصفهم الله في كتابه ورضي عنهم يقولون كما قالوا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).
[ ١٥٣ ]