قوله تعالى:
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءآيات محكمات هن أم الكتاب وأهر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب (٧) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (٨) آل عمران
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي واضحات لا التباس فيها ولا غموض على أحد ومنه آيات فيها اشتباه في الدلالة على الكثير من الناس أو بعض منهم فالأصل في ذلك رد المتشابهة إلى المحكم فمن فعل ذلك اهتدى ومن عكس انعكس.
هذه الآية الكريمة يعلمنا ويأمرنا فيها ﷻ أن نؤمن بكل ما نزل إلينا منه تعالى محكمًا كان أو متشابها ونقول: (آمنا به كل من عند ربنا) دون أن نؤول المتشابه تأويلًا يخرج عن مراد الله تعالى فنقع في الزيغ.
إن شاهدنا من هذه الآية الكريمة قوله تعالى فيها: (آمنا به كل من عند ربنا) هكذا قول الراسخين في العلم، والناس تبع لهم في ذلك لأن الله تعالى أخبرنا أن المتشابه لا يعلمه إلا هو والراسخون في العلم يقولون (آمنا به كل من
[ ٧٣ ]
عند ربنا) أي آمنا بالمحكم والمتشابه أنهما من عند الله أنهما من عند الله ولا شك في أن هذا الإيمان الوصف الذي ورد، أي ما علمنا منه طبقناه وما لم نعلم أو كلنا علمه إلى الله تعالى نعم أن الإيمان بذلك هو عمل صالح عظيم ندبنا إليه سبحانه وحضنا عليه وأمرنا به فالخروج عن أمر الله زيغ حذرنا الله منه أي إذا أولنا المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله بما تراه أهواؤنا يكون ذلك سبيلًا إلى الزيغ لا محالة فحتى لا نقع فيه أمرنا أن نتوسل إليه تعالى بالإيمان به وبما أنزل أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إلى أنه لا يعلم المتشابه إلا الله (وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي ما يتعظ بأمر الله والإيمان بما نزل وأنه جميعه حق وصدق وما يفهمه ويعقله ويتدبر معانيه على مراد الله إلا أولو العقول السليمة والمفهوم المستقيمة.
فبعد أن علمنا الله تعالى التوسل إليه بإيماننا بمحكم آياته ومتشابهها أرشدنا إلى الدعاء بعد التوسل بقوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) ليكون دعاؤنا هذا مستجابًا فقد دعوناه متوسلين إليه بإيماننا بما أنزل في كتابه الكريم أن يثبت قلوبنا على هذا الإيمان ولا يزيعها بعد إذ هداها إلى الحق إنه هو الذي يهب القلوب هدايتها ويجنبها الزيغ والضلال لا يفعل ذلك إلا هو وحده لا شريك له. إنه هو الوهاب لا إله غيره ولا رب سواه.
أخي القارئ المسلم الحبيب: لا شك في أن كل داع إلى الله تعالى: يود ويرغب من صميمه أن يتقبل الله دعاءه ليحصل على ما يود ويرغب ولكن هل كل من يدعو يستجاب له ؟ فلكي يكون دعاؤه مستجابًا عليه أن يتقيد باتباع الطريقة التي يرضى الله عنها في الدعاء.
وإن الداعي إلى الله تعالى على الطريقة الموافقة لإرشاده وهداه يحصل ولا شك على نتيجتين طيبتين.
١ - يحصل على رضاء الله عن عمله ويثيبه عليه لأنه أخذ بالهدى الذي دله عليه.
[ ٧٤ ]
٢ - يحصل على استجابة الدعاء فيحظى بالمطلوب الذي دعا الله من أجله.
أما الذي يهجر هدى الله في الدعاء ويتوسل إلى الله بتوسلات ما شرعها الله ولا هدى إليها في كتابه ولا في سنة رسوله - ﷺ - يحصل على نتيجتين عكسيتين تمامًا.
١ - عدم رضاء الله عنه فيما عمل لأنه ابتدع في دعائه طريقة ليست من هدي الله تعالى ولا من هدي رسوله - ﷺ - وإن عدم رضاء الله تعالى ولا من هدي رسوله - ﷺ - وإن عدم رضاء الله يعني غضبه ولا شك أن الغضب مفض إلى العقاب فكما أن من أطاع الله فله ثواب فكذلك من عصاه فله عقاب والعياذ بالله من عقاب الله.
٢ - لا يستجاب دعاؤه فلا يحصل على مطلوبه الذي دعا الله تعالى للحصول عليه لأنه من أطاع الشيطان وعصى الرحمن.
وعلى هذا فإن الله تعالى لا يتقبل عملًا إلا إذا كان راضيًا عنه ومصداق ذلك قوله تعالى: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه) وأن العمل وإن كان صالحًا في حد ذاته لا يتقبله الله إلا إذا كان راضيًا عنه ومن أجل ضمانة رضاء الله عنه يجب أن تكون مطابقًا لشيئين:
١ - أن يكون مطابقًا لشرع الله تعالى ومصداقه (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ).
٢ - أن يكون خالصًا لوجهه تعالى لا يبتغي فيه من مخلوق شيئًا ومصداقه: (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى).
[ ٧٥ ]