عن أبي الزبير عن بن صفوان بن عبد الله بن صفوان، قال:
[قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام فقلت: نعم. فقالت: ادع لنا بخير فإن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة. عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل: آمين ولك بمثل» قال: فخرجت إلى السوق فلقيت أبا الدرداء. فقال لي مثل لك يرويه عن النبي - ﷺ -] أخرجه مسلم.
هذا الحديث يحثنا على أن نتوسل إلى الله تعالى لإخواننا بالدعاء ويرغبنا في الثواب الذي أعده الله لمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فهذه أم الدرداء ﵂ تقول لصفوان: أدع لنا بخير وتعني أن يدعو لهم بخير في الحج عند المشاعر وهذا ولا شك دعاء بظهر الغيب فالداعي في مكة والمشاعر والمدعو لهم في الشام ثم ترغبه بأن لا ينسى ولا يفوت الثواب عليهم ولا على نفسه بقولها: فإن رسول الله - ﷺ - كان يقول: «دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة. عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل: آمين ولك بمثل».
فهذه أم الدرداء توسلت إلى الله تعالى بدعاء صفوان في الحج كيما تستجاب الدعوة فتصيب خيرًا عظيمًا واستجابة متحققة وصفوان توسل إلى الله تعالى بدعائه لأم الدرداء بالخير حتى يدعو له الملك: «، ولك بمثل». فأم الدرداء توسلت بدعاء صفوان لها وصفوان توسل إلى الله بدعاء الملك له وكلًا التوسلين
[ ١٧٧ ]
توسل بدعاء المؤمن لأخيه.
أليس في هذا الحديث حض من رسول الله - ﷺ - على توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن ..؟ ألا يدل حض رسول الله وحثه على هذا التوسل على مشروعيته ؟ لا شك ولا ريب أن يدل على ذلك فيها يا أخي فإن دعاءك لأخيك بظهر الغيب توسل منك إلى الله ﷾ كي يستجيب دعاءك فيه. فإذا كان رسول الله - ﷺ - الله عليه وسلم يحضنا على الخير من خلال حياته مع أصحابه فما ذاك إلا من أجل أنه عمل مشروع ومن أجل التأسي بهم والعمل بمثل ما كانوا يعملون. وهذه أم سليم ﵂ تتوسل إلى الله تعالى بدعاء رسول الله - ﷺ - لأنس وتقول: (يا رسول الله خادمك أنس أدع الله له) وهذه المرأة التي كانت تصرع وتتكشف حين صرعها. تقول: يا رسول الله: ادع الله لي فأمرها بالصبر .. وآخر الأمر سألته الدعاء لها بأن لا تنكشف عندما لا تصرع أنها تتوسل إلى الله تعالى بدعاء رسول الله لها ألا تتكشف حينما يقدر الله صرعها فدعا لها .. فلم تتكشف بعد ذلك.
وهذا رسول الله - ﷺ - يرشد أصحابه - ﵃ - أن يطلبوا الدعاء من «أويس القرني» إذا ما أدركوه أي أن يتوسلوا إلى الله تعالى بدعاء أويس لهم لأنه رجل - كما أخبرهم رسول الله - مستجاب الدعوة.
إن الأدلة والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى ولا تستقصى إنما قدمت لك يا أخي يالقارئ المسلم - كما ذكرت لك آنفًا - قدمت لك باقة فواحة جنيتها من حديقة عبقة بالشذى النبوي العطر مكتظة بأفانين لا تعد من الزهر الزكي الذي يضوع أريجه على الدنيا فيضمخها بعرف زكي شذي ..
تنتعش به النفوس المؤمنة والأفئدة المطمئنة وترتاح له العقول السليمة والأفهام الصحيحة فتمتليء جميعًا هدى يقودها إلى الطريق القويم وسيسلك بها الصراط المستقيم إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين اللهم اجعلنا منهم وجنبنا مواطن الزلل واهدنا وأهد بنا إنك على كل شيء قدير وبالإجابة
[ ١٧٨ ]
جدير وصلى الله على محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أخي القارئ المسلم الكريم:
وهكذا فإنني على نهاية بحث التوسل المشروع بأقسامه الثلاثة:
١ - توسل المؤمن إلى الله بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
٢ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بعمله الصالح.
٣ - توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له.
وقد جهدت - كما رأيت - وبقدر المستطاع أن أقرب هذا البحث لإخواني المسلمين المؤمنين بالدلائل المشرقة والأمثلة المتلألئة بنور الوحيين الأزهرين كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - بأسلوب كتابي بسيط وتعابير هينة لينة يفهمها العالم والمتعلم والمبتدئ بطلب العلم حتى يفهمها العامة إن قرأوها ..، أو قرئت عليهم .. مبتغيًا في ذلك وجه الله في ذي الجلال والإكرام ثم لتكون واسطة لإذاعة الحق الذي بان لي هداه.
وقد لا أكون أول من بحث هذا البحث فلا شك أني مسبوق إليه من أئمة الأمة الأعلام المجتهدين إنما قد يكون في تعابيرهم الراقية الفائقة وأسلوبهم الكتابي العميق وإنشائهم الرائع الرفيع ما لا يستطيع كل قارئ أن يغوص في هذا البحر الزخار اللآليء والجواهر فيحصل على ما يتمنى منها من الكنوز فقد عمدت إلى تقريبها وتبسيطها بأسلوب متواضع وإنشاء لين وعرض مبسط آملًا أن أكون قد قمت بهذه الخدمة على النحو المطلوب والنمط المرغوب سائلًا ربي سبحانه أن يتقبله لوجهه الكريم متوسلًا إليه بذاته العلية وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبكل عمل مني صالح يرضى عنه ويجبي لسيد رسله وبإيماني بجاه سيد خلقه وبحبي لأوليائه الصالحين من أمة محمد - ﷺ - أن يجعله عملًا نافعًا ووسيلة مقبولة لولوج رحاب رحمته ومغفرته ورضاه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم على هداه إلى ما شاء الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ١٧٩ ]