قوله تعالى:
فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءآمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون (٥٢) ربنا ءامنا بما أنزلت وتبعت الرسول فاكتبا مع الشاهدين (٥٣)
آل عمران
يقول تعالى: (فلما أحس عيسى) أي استشعر من بني إسرائيل التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال. (قال من أنصاري إلى الله) أي من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).
الحواريون: جمع حواري وهو الناصر. والحواريون هم أصحاب عيسى ﵊ الذين آمنوا به وعددهم اثني عشر رجلًا قالوا نحن أنصار الله كيف لا نكون أنصاره وقد آمنا به واشهد يا عيسى بأنا مسلمون ولا شك أن الإسلام هو دين الأنبياء ومن اتبعهم من لدن آدم ﵇ إلى نبينا عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ثم وجهوا خطابهم إلى الله سبحانه فقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت) أي الإنجيل وهو كتاب الله الذي نزل على عيسى ﵇ (واتبعنا الرسول) أي المسيح عيسى بن مريم ﵇ (فاكتبا مع الشاهدين) أي مع أمة محمد - ﷺ - قاله ابن عباس - ﵁ - وهذا كقوله تعالى: (وجعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) شهداء على الناس أي تشهدون للأنبياء يوم القيامة أنهم بلغوا رسالات ربهم
[ ٧٩ ]
لأقوامهم والوسط هاهنا: الخيار وقد جعل الله أمة محمد وسطًا لما خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب.
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير من أحد فيقال لنوح من يشهد لك فيقول: محمد وأمته قال: فذلك قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) قال: الوسط: العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم] رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق عن الأعمش ومن حديث لأحمد عن أبي سعيد الخدري: فيدعي محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا قوله ﷿: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا)]
أخي القارئ المسلم الكريم: وضعت أمامك تفسيرًا مقتضبًا للآيتين المتقدمتين لتأخذ فكرة عامة عن معناهما ثم أشرع في توضيح الشاهد منها في بحثنا وموضوعنا الذي نحن بصدد تحقيقه:
لنعد قليلًا إلى الآية: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون). إن قول الحواريين: نحن أنصار الله آمنا به) ألا ترى يا أخي في قولهم عملًا صالحًا ..؟ أجل إنه عمل صالح. وما قولك يا أخي بنصرة الله ورسوله والإيمان بهما ؟ فإذا لم يكن ذلك عملًا صالحًا فأين هو العمل الصالح ..؟ لا شك ولا ريب في أنه عمل صالح بل هو رأس العمل الصالح وأساسه أيضًا. ودليلنا قولهم لرسولهم: (واشهد بأنا مسلمون) أي واشهد على إيماننا وإسلامنا فشهادة رسولهم لهم بذلك هي شهادة حق بإيمانهم وإسلامهم وصدقهم في قولهم: (نحن أنصار الله آمنا به واشهد بأنا مسلمون) ثم توجهوا إلى ربهم سبحانه وقالوا: (ربنا آمنا بما أنزلت وتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين) الذي يشهدون لعيسى بن مريم ﵊ - في جملة ما يشهدون للأنبياء -
[ ٨٠ ]
أنه بلغ قومه رسالة الله.
وإنك لترى يا أخي أنهم ما دعوا الله بهذا الدعاء وإلا وقدموا بين يدي دعائهم توسلًا بإيمانهم بعبده ورسوله المسيح عيسى بن مريم ﵊ وبما أنزل عليه من الإنجيل وبما اتبعوا به هذا الرسول الكريم فيما دعاهم إليه من أمر ونهي وكل ما تقدم إنما هو توسلات بأعمالهم الصالحة الخالصة لوجهه تعالى. ثم عقبوا على ذلك بدعائهم قائلين: (فاكتبنا مع الشاهدين) أي بسبب ما آمنا بك وبعبدك ورسولك المسيح عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه وبالإنجيل الذي أنزلته عليه وباتباعنا له فيما أمر ونهى اكتبنا مع الشاهدين.
ولعلك أدركت يا أخي أن الأنبياء والرسل جميعًا على منهج واحد في التوسل إليه تعالى فلم يخبرنا الله أن أحدًا منهم توسل إليه بأحد الأنبياء الذين سبقوهم ولا توسلوا إليه بملائكته ولا بأحد من خلقه بل توسلوا إليه بما شرع لهم من التوسل الذي يرضى عنه بل وأمر به عباده جميعًا.
فإذا كان الأمر كذلك ونعلم أن الأنبياء والرسل وأعمال أصحابهم الذين اهتدوا بهديهم هي أحسن أعمال قاطبة فما علينا إلا أن نتخذ لنا من أعمالهم وسيرتهم الحسنة الطيبة نبراسًا لنا وهدي نسير على أساسه في كل أمورنا أفلا يكفينا ما كفى أولئك المصطفين من الناس وهم خيار الخيار وصفوة الخلق.
ولهذا فإن الله خصنا على ذلك لنقتفي آثارهم ونتعقب خطاهم ونسلك ما سلكوه من الهدي والحق والخير وإنا إن شاء الله لفاعلون.
[ ٨١ ]