حديث الاستسقاء بدعاء العباس - ﵁ -
بعد وفاة رسول الله - ﷺ -
ثبت لك يا أخي أن الصحابة كانوا يتوسلون إلى الله بالاستسقاء بدعاء رسول الله - ﷺ - لهم وذلك من الأحاديث الواردة في البحث الماضي نعم كانوا يفعلون ذلك في حال حياته - ﷺ - ولما قبض الله نبيه إليه وألحق بالرفيق الأعلى فإذا أجذب الصحابة وقحطوا استسقوا وتوسلوا بغيره من الأحياء الذين تكون فيهم مظنة التقى والورع وبخاصة إذا كانت له وشائج قربى تربطه بالنبي - ﷺ -.
ولعلك تسأل يا أخي المسلم ولم يعدلون عن النبي - ﷺ - إلى غيره من الناس ؟ إذ مهما كان فيه ورع وتقى وصلاح لم يكن هذا شيئًا مذكورًا بجانب رسول الله - ﷺ - وإليك الجواب:
إن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء رسول الله حال حياته ولما توفي رسول الله - ﷺ - لم يعد يستطيع الدعاء بسبب وفاته وإذا مات ابن آدم انقطع عمله والدعاء ولا شك فانقطع بالموت.
ولهذا استسقى عمر بن الخطاب ﵁ إبان خلافته بالعباس - ﵁ - عم رسول الله - ﷺ - فعن أنس - ﵁ - قال:
[إن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال: «اللهم كما نتوسل بنبينا - ﷺ - فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» قال فيسقون] رواه البخاري في صحيحه.
وإذًا ثبت لديك ثبوتًا قطعيًا أن عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين - ﵁ - استسقى بالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - من الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه ولم يعترض أحد من الصحابة على عمل عمر بن الخطاب إذ ليس من المعقول أن يعترض أحد لعلم الناس جميعًا أن عملية
[ ١٧٣ ]
الاستسقاء عملية توسل بدعاء المستسقي فلما توفي رسول الله - ﷺ - الذي استسقوا بدعائه حالة حياته ولم يعد بالإمكان أن يدعو كان بدهيًا وجوب التفتيش عن غيره ليستسقي لهم فاختار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العباس بن عبد المطلب ثم علل اختياره له بقوله: «اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا - ﷺ - فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا».
أجل إنه علل اختياره: أولًا: لأن الرسول - ﷺ - قد قضى، ولم يعد يدعو. ثانيًا: لأن العباس عم النبي - ﷺ - أما الفضل والسابقة والروع فيوجد في المسلمين من هو أفضل من العباس إنما قرابته من رسول الله كانت السبب باختياره للدعاء ولم يعلم أحد من الصحابة خالف عمر أو اعترض عليه فكان ذلك إجماعًا والإجماع أحد أصول الشريعة الأربعة الذي تقوم به الحجة إذًا فاختيار عمر للعباس للاستقاء بدعائه كان عملًا صحيحًا ومشروعًا وهو من نوع توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن.
فبعد أن كلف عمر العباس بالاستسقاء قال: «أدع يا عباس » وهنا نترك المجال ونتخلى عن موقف الكلام في الاسترسال بهذا البحث للحافظ ابن حجر العسقلاني «أمير المؤمنين» في الحديث ليروي لنا في كتابه: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» صيغة الدعاء الذي دعا به العباس - ﵁ -.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه «فتح الباري»: «وقد بين الزبير بن بكار في [الأنساب] صفة ما دعا به العباس لما استسقى به عمر. قال:
[اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث] فأرخت كالجبال».
هذا هو دعاء العباس وإنك يا أخي لترى أن العباس توسل إلى الله بالاعتراف باقتراف الذنوب ثم التوبة منها وهذا من أجل الأعمال الصالحة. وكان العباس - ﵁ - يدعو والمسلمون يؤمنون فلم يضعوا أيهديهم حتى أرخت السماء مطرًا كالجبال بإذن الله.
[ ١٧٤ ]
هذا هو هدي السلف في الاستسقاء وهكذا كان المسلمون كلما قحطوا أو أجدبوا يظهرون إلى خارج مدينتهم ويستسقون بدعاء صالحيهم فقد استسقى المسلمون في عهد معاوية - ﵁ - بيزيد بن الأسود. وهكذا إلى زمننا هذا يستسقون بصالحيهم أي بدعائهم كما فعل رسول الله - ﷺ - وكما فعل العباس بن عبد المطلب ويزيد بن الأسود وسواهم إلى يومنا هذا
على أن (البعض.!!؟) قد بدل هدي السلف الصالح في الاستسقاء المنوه عنه إلى قراءة كتاب صحيح البخاري بتمامه فتوزع أجزاؤه على الحاضرين فيقرأ كل شخص جزء وهكذا زاعمين أن بقراءة حديث صحيح البخاري يكون الاستسقاء ويمطرون متجاهلين سنة الرسول الأعظم والسلف الصالح في ذلك وهي كما تقدم خروج المسلمين إلى المصلى خارج البلد حين تعلو الشمس متواضعين متبذلين متخشعين مترسلين متضرعين فيصلون ركعتين بإمامهم ثم يدعو أحد صالحيهم على النحو المتقدم الذكر وعندما يعودون يقلبون أرديتهم ظهرًا لبطن إشارة للتبذل والخضوع لله تعالى.
على أن هذا الحديث نفسه يحتج به (البعض ..؟.) أي حديث استسقاء العباس على جواز التوسل بذوات المخلوقين كأنهم فهموا أن المسلمين أن المسلمين توسلوا إلى الله بشخص لا بدعائه وسنفرد المرد على ذلك صفحات قادمة إن شاء الله (١) فتظهر الحقيقة واضحة ويتضح أن الدعاوى المجردة لا تنفع.
أما الحقائق العلمية القاطعة التي يتألق منها الحق بهيًا أبلج ساطعًا وتتفتح على نوره العيون التي أغمضها الباطل ردحًا من الزمن وتستنير به القلوب التي كانت ترتقب دفق دم الحياة لتخفق به أبدًا وتتخذ من الأيدي الأمينة التي قصر بها ضعف الأنصار وقلة المحبين وندرة السالكين أنصارًا وأحبابًا نعم هذه الحقائق العليمة سينفذ نورها إلى كل قلب إن شاء الله فيولي الباطل مهزوماُ مرذولًا ويحل الحق في هذه القلوب يملأها هدى
_________________
(١) راجع الصفحة ٢٦١ - ٢٦٦ ترى الرد الموعود.
[ ١٧٥ ]
وخيرًا ونعمى.
نحن نرجو من إخواننا المسلمين عامة أن ينظروا إلى ما نقدمه من حجج شرعية بعين التأمل على الأقل ثم يدعوا الله تعالى أن يوفقهم إلى رؤية الحق أنه هو الحق بعينه ويحببهم فيه وإلى أن يروا الباطل أنه هو الباطل بذاته ويكرههم فيه وما أحد التجأ إلى الله بالدعاء المخلص إلا أجاب سؤله لا إله غيره ولا رب سواه.
عندها نلتقي جميعًا على الحق الذي ما بعده إلا الضلال ونعقد الأيدي على نصرته والحق ليس في قضية معينة فحسب بل في جميع القضايا وسائر الأمور التي جاء بها هذا الدين الكريم.
فإذا توافقت القلوب وتحابت الأفئدة وتجاوبت النفوس على نصرة الحق أينما كان وتضافرت الجهود على الاستماتة في هذه النصرة فإن الظفر كائن لا محالة .. والمجد عائد ولا بد والسيادة للإسلام يهتف بها في كل بلد وإنقاذ أمم الأرض يتحقق على أيدي هؤلاء الأبناء والأحفاد كما تحققت في الزمن الأول على أيدي الآباء والأجداد ويملأ دين الإسلام الدنيا عدلًا بعد أن ملئت جورًا وترف راية لا إله إلى الله محمد رسول الله على كل جبل وسهل وكل بر وبحر وجو إلى أن يقضي الله أمره ويهتف الجميع بأنشودة الحق: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهز الأحزاب وحده لا شيء قبله ولا شيء بعده.
[ ١٧٦ ]