١ - إن هذا الحديث تتجلى فيه الصنعة في تركيب وترتيب الأفكار الواردة فيه فمثلًا قوله: «كان رجل يختلف إلى عثمان بن عفان - ﵁ - في زمن خلافته فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته» فجعل قوله: «فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه «تكأة ليقفز منها إلى ما سيبني على ذلك التوسل الذي كان يخفى على عثمان بن عفان هنا بمظهر غير المبالي بحاجات المؤمنين حتى يكون عليه مؤثر فوق إرادته يجبره على قضاء حاجة الرجل !؟
بينما نرى من سيرة عثمان بن عفان أمير المؤمنين - ﵁ - قبل المسؤولية وبعدها ذلك الرجل البار بالناس العاطف عليهم المهتم بأمورهم وكان مشهورًا برقة القلب ولين الجانب وما كان من خلقه قط أن يتساهل في مسؤليته إلى حد الإفراط كما يصفه هذا الحديث بشكل أنه لا يلتفت للرجل ولا يأبه له حتى ولا ينظر إليه !!!؟
ليس هذا من خلق عثمان ذي النورين ولا يعقل وقوعه منه فكيف يدخل هذا الرجل مرارًا وتكرارًا ويراه في مجلسه بل وأذن له مرات للدخول عليه وقد دخل مرات كذلك ! ويراه أمامه دون أن يسأله عن سبب دخوله عليه وعن حاجته وهو الذي يجلس جلساته هذه من أجل قضاء وحوائج الناس؟
على أن صانع هذا الحديث .. تراه يجهل خلق عثمان وما فطره الله عليه من الرقة واللين والعطف والسهر على مصالح المسلمين ولكننا نحمد الله تعالى على أمثال هؤلاء الصناع يظنون أنهم قد أحكموا وأغلقوا جميع منافذ أي انتقاد قد يرد على أحاديثهم المصنوعة وفي الحقيقة أنهم تركوا منافذ لا منفذًا واحدًا إن الله ليمكر بهم حتى يسهل على المسلمين أن يعرفوا الحق من الباطل ويطلعوا على آثار الصنعة فيعلموا منها منافذ الضعف ويحكموا على
[ ٢٤٢ ]
الحديث بالوضع أو الضعف ويجنبوا المسلمين شرور أولئك الصناع فيعرفون ضعفه من متنه فضلًا عن معرفتهم ذلك الضعف أيضًا من سنده الذي يوافق ضعف متنه أو يزيد.
٢ - قلنا قبل قليل أن معنى التوسل عند الصحابة هو دعاء الشخص المتوسل به إلى الله تعالى بقضاء حاجة المتوسل من أجله لا كما يعرفه (القوم ) في زماننا هذا من التوسل بذات المتوسل به.
فالصحابي الجليل عثمان بن حنيف كان يجهل هذا يا ترى ..؟ الجواب: لا وألف لا ما كان يجهل أبدًا بل إنه يعلم من رسول الله - ﷺ - ذلك بلا شك ولا ريب بل كان يعلم أيضًا أن التوسل بذوات الأشخاص أحياءً أم أمواتًا كان من شعارات الجاهلية التي ما أتى الإسلام إلا من أجل إبطالها فصحابي جليل كعثمان بن حنيف هل يعقل أنه علم الرجل هذا الدعاء وهو يعلم جيدًا أن هذا الدعاء خاص في حياة الرسول - ﷺ - لأن الدعاء خاص في حياة الرسول - ﷺ - لأن الدعاء الذي حظي به الأعمى إنما كان حال حياته ولم يعد لأحد بعده - ﷺ - أن يحظى به بسبب وفاته - فداه أبي وأمي - فكيف يقول للرجل ادع بهذا الدعاء وهو يعلم أن العنصر الهام في الحصول على الاستجابة مفقود وهو دعاء رسول الله - ﷺ -؟ ومن أين يأتي بدعاء رسول الله ورسول الله قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ؟ هذا ما يدلنا على براءة عثمان بن حنيف - ﵁ - من توصية الرجل ودلالته على دعاء الأعمى بل براءته من القصة بأجمعها.
وكيف يوصي بذلك أو يدل عليه وقد طهر الله قلبه وقلوب المسلمين من شعارات الجاهلية وأنقذهم الله منها إن هذا لا يتصور من مسلم عادي يعلم أمر دينه فضلًا عن صحابي جليل كعثمان بن حنيف - ﵁ - وهذا ما يجعلنا أن نجزم بعدم وقوعه منه أو صدوره عنه.
٣ - لو أن دعاء الأعمى الذي علمه إياه رسول الله - ﷺ - دعاء ينفع لكل زمان ومكان لما رأينا أعمى على وجه البسيطة إذًا لهرع كل أعمى إلى الدعاء به لكي يرتد بصيرًا حتى ولو لم يكن مسلمًا لدعا به أيضًا ليرتد بصيرًا ويصبح
[ ٢٤٣ ]
هذا الدعاء الدواء الشافي من العمى بل ولقضاء كل حاجة لأن الرجل الذي أوصاه عثمان بن حنيف - على زعم الرواية - بأن يدعو به لم يكن أعمى بل كان ذا حاجة غير العمى فتوسل به فقضيت حاجته وعلى هذا فإن هذا الدعاء - إذا أردنا أن نأخذ بصحة الحديث - هو قضاء لكل حاجة ولكن هل هو كذلك ؟ الجواب: لا فإنه لا يزال العمي كثيرًا ولا يزال ذوو الحاجات محتاجين إلى قضاء حوائجهم
دعونا يا ناس ننظر الأمور على أوجهها الصحيحة دعونا من التغالي الفارغ الذي لا يؤذي الرسول - ﷺ - في أمته قبل أي شخص آخر لأنه عمل ليس عليه أمر الرسول الذي جاء به عند ربه وهو - ﷺ - يقول:
[من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد] ويقول: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد] وإن المراد الذي يسعى (القوم ) لتحقيقه من وراء إيراد هذا الحديث غير الصحيح مراد ليس عليه أمر الإسلام وهو محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة أجل إن ما تقدم من الملاحظات على هذا الحديث يشير بوضوح إلى أن متن الحديث ترك صانعه منافذ عديدة فيه إلى كشف ما فيه من مآخذ تدل على أنه من المستحيل أن يكون صحيحًا أو ينهض دليلًا أو حجة على ما أراد (القوم ) إثباته منه بل على العكس تمامًا فهو حجة لنا عليهم وليس هو حجة لهم علينا هذا من ناحية متن الحديث فضلًا عن سنده الضعيف الواهي فهو إذًا واهن واه من متنه وسنده.
لقد أثبتنا لك يا أخي وهنه من حيث متنه وهاك وهنه من حيث سنده.
[ ٢٤٤ ]