(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا /٥٩/) النساء.
فأكرم وأنعم وأعظم بهذا الحكم العدل والطرفان المتنازعان راضيان بحكمه وإطاعته وتنفيذه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا /٦٥/) النساء.
فما دام الخصمان راضيين بالحكم ونازلين على ما سيقرره ويحكم به ويطيعان الحكم وينفذانه فليتقدم إذن الطرفان المتنازعان أمام الحكم العدل وليدل كل منهما بحجته وبرهانه.
أما نحن فقد سبق أن بينا في شرح التوسل المشروع ما ذكرناه ودللناه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وأعمال السلف الصالح من الصحابة والقرون الخيرة على مشروعية ذلك التوسل وحض الشارع الحكيم عليه وعلى العمل به والتقرب إلى الله تعالى على أساسه لم نجد بين طيات الوحيين الأزهرين كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ذكرًا للتوسل الممنوع الذي يدعي الخصم حله وعده مشروعًا أيضًا فلو كان مشروعًا حقيقة لذكره الشارع في زمرة ما ذكره وحض كذلك الناس عليه وليس معقولًا أن يهمله الله تعالى ولا يبلغه رسوله - ﷺ - ولا يعمل به الصحابة والقرون الخيرة أًيًضلّ عنه صحابة رسول الله، ويهتدون هم إليه ؟ إذن فعدم وجوده لا في كتاب ولا سنة دليل على عدم مشروعيته. وإذا لم تثبت مشروعيته فهو إذن ليس مشروعًا وبدهيّ إذا لم يكن مشروعًا أن يكون ممنوعًا وحرامًا.
هذا دليل عام يشمل الأوجه الثلاثة للتوسل الممنوع على عدم مشروعيتها ولكننا نحب أن نضيف إلى ذلك .. أدلة على عدم مشروعية كل وجه من وجوه التوسل الممنوع والذي ادعوا حله !!! فنقول وبالله المستعان:
الوجه الأول: التوسل إليه تعالى بذات وشخص المتوسل به.
إن التوسل بذات وشخص المتوسل به إلى الله تعالى عمل غير شرعي لأنه
[ ١٨٦ ]
لم يأمر به الله ولا بلغه رسوله - ﷺ - على أن التوسل بذات الشخص بدون متابعة للعمل الذي كان يعمله فبلغ به المنزلة الطيبة عند الله إنما هو عمل قد ذمه الله تعالى لما وصف توسل المشركين فقال حاكيًا عنهم: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) /٣/ الزمر.
فالتوسل بالعبد الصالح من غير متابعة له في الأعمال الصالحة لا يجوز أن يكون وسيلة فهذا التزلف بذوات الأشخاص رده الله سبحانه ولم يقبله. وإنه تعالى قد عاب عليهم في هذه الآية أمرين اثنين: عاب عليهم عبادة الأولياء من دونه وعاب عليهم محاولتهم القربى والزلفى إليه تعالى بالأشخاص والعباد المخلوقين فكلا الأمرين في الآية عيب وذنب. وكلاهما باطل وكذب وضلال وقال تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) /٣٧/ سبأ.
أي إن الذين يقربون عند الله درجاتٍ ومنازل عظيمة والذين تضاعف لهم حسناتهم إنما تضاعف بأعمالهم لا بالجاهات ولا بالوساطات.