قالوا:
أخطأتم جدًا لما أطلقتم على التوسل بذوات المخلوقين أو بجاههم وحرمتهم أو بالقسم بحقهم أو بهم اسم (التوسل الممنوع) فبأي دليل منعتموه ؟ نحن لا نخالفكم بالتوسل المشروع فكل ما أوردتموه من حجج وأدلة نوافقكم عليه وهو صحيح إنما لا نوافقكم على منعكم وتحريمكم التوسل بذوات المخلوقين فكما أن لديكم حججًا وأدلة على التوسل المشروع فكذلك نحن لدينا حجج من القرآن والسنة على صحة ما نذهب إليه من حل ذلك التوسل وإننا مستعدون أن نورد الآيات والأحاديث التي تدعم ادعاءنا هذا وإليكم البيان:
قال الله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) /٣٥/المائدة.
وقال تعالى:
١ - (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلًا /٥٦/ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا) /٥٧/ الإسراء.
[ ١٩٩ ]
٢ - وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله فاستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا) /٦٤/النساء.
وكذلك أيضًا لدينا من الأحاديث العديدة ما يفيد صحة توسلنا بذوات المخلوقين. وإليكم البيان.
١ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: «اللهم إني أسألك بحق السائلين وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت إلا وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له وأقبل ﷿ عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته»]. رواه ابن ماجه.
٢ - روى البيهقي في كتابه المسمى دلائل النبوة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي فقال الله تعالى كيف عرفت يا محمدًا ولم أخلقه قال: يا رب إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله تعالى: صدقت يا آدم أنه لأحب الخلق إلي وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك] رواه الحاكم وصححه.
٣ - قصة مالك مع أبي جعفر المنصور وفيها أنه سأل مالكًا فقال: يا أيا عبد الله أأستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله - ﷺ - فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به.
٤ - حديث فاطمة بنت أسد: [الله الذي يحيى ويميت وهي حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين].
[ ٢٠٠ ]
٥ - حديث الأعمى: عن عثمان بن حنيف - ﵁ -[أن رجلًا ضريرًا أتى النبي - ﷺ - فقال: أدع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير قال: فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء:
«اللهم إني أسألك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي اللهم شفعه في» فعاد وقد أبصر - وفي رواية - قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا كأن لم يكن به ضر].
٦ - حديث الرجل الذي كانت له حاجة عند عثمان بن عفان.
روى الطبراني والبيهقي: [كان يختلف إلى عثمان بن عفان - ﵁ - رجل في زمن خلافته في حاجة فكان لا يلتفت ولا ينظر إليه في حاجته. فشكا ذلك لعثمان بن حنيف فقال له: إئت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ذلك ثم أتى باب عثمان - ﵁ - فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان - ﵁ - فأجلسه معه وقال له اذكر حاجتك فذكر حاجته فقضاها ثم قال: ما كان لك من حاجة فاذكرها ثم خرج من عنده فلقي ابن حنيف فقال له جزاك الله خيرًا ما كان ينظر لحاجتي حتى كلمته لي فقال ابن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره] إلى أخر الحديث المتقدم أي (حديث الأعمى).
٧ - حديث [إذا سألتم الله فسلوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم]
٨ - خبر [إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور]
٩ - حديث استسقاء بلال بن الحرث بعد وفاة الرسول - ﷺ -.
روى البيهقي وابن أبي شيبة: أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر - ﵁ - فجاء بلال بن الحرث - ﵁ - وكان من أصحاب النبي - ﷺ - إلى قبر النبي - ﷺ - وقال يا رسول الله: استسق لأمتك فإنهم هلكوا فأتاه رسول
[ ٢٠١ ]
الله - ﷺ - في المنام وأخبره أنهم سيسقون.
حديث الاستسقاء بالعباس:
١٠ - روى البخاري في صحيحه من رواية أنس بن مالك - ﵁ -:
[أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب - ﵁ - وقال: اللهم كنا نتوسل إليك بنبينا - ﷺ - فتسقينا وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون].
١١ - حديث عام الفتق:
روى الدارمي في مسنده عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشة ﵂: فقال انظروا إلى قبر رسول الله - ﷺ - فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق.
١٢ - حديث توسل الأعرابي بالرسول - ﷺ - بعد وفاته بثلاثة أيام وحديث العتبي روى أبو الحسن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي عن علي بن محمد بن علي حدثنا محمد بن الهيثم الطائي حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: [قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله - ﷺ - بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر النبي - ﷺ - وحثى على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله ﷿ ما وعينا عنك وكان فيما أنزل الله ﵎ عليك (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباُ رحيمًا /٦٤/) النساء. وقد ظلمت نفسي وجئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه غفر لك].
١٣ - حديث العتق: روى في الجوهر المنظم أن أعرابيًا وقف على القبر الشريف وقال:
اللهم إن هذا حبيبك وأنا عبدك والشيطان عدوك فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك
[ ٢٠٢ ]
عبدك وأنت يا رب أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك. اللهم إن العرب إذا مات فيهم سيد اعتقوا على قبره وإن هذا سيد العالمين فاعتقني على قبره يا أرحم الراحمين. فقال له بعض الحاضرين: يا أخا العرب إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال.
١٤ - أبيات الأعرابي: روى البيهقي عن أنس - ﵁ - أن أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ - يستسقي به وأنشد أبياتًا أولها:
أتيناك والعذراء يدمي لبانها وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
إلى أن قال:
وليس لنا إلا إليك فرارنا وأنى فرار الخلق إلا إلى الرسل
فلم ينكر عليه - ﷺ - هذا البيت بل قال أنس: لما أنشد الأعرابي قام - ﷺ - يجر رداءه حتى رقى المنبر فخطب ودعا لهم فلم ينزل يدعو حتى أمطرت السماء.
١٥ - وفي صحيح البخاري: أنه لما جاء الأعرابي وشكا للنبي - ﷺ - القحط فدعا الله فانجابت السماء بالمطر - ﷺ -: لو كان أبو طالب حيًا لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟ فقال علي - ﵁ -: يا رسول الله: كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فتهلل وجه الرسول - ﷺ - ولم ينكر إنشاد البيت ولا قوله يستسقى الغمام بوجهه ولو كان ذلك حرامًا أو شركًا لأنكره ولم يطلب إنشاده.
١٦ - حديث سواد بن قارب:
روى الطبراني في الكبير أن سواد بن قارب - ﵁ - أنشد الرسول - ﷺ - قصيدته التي فيها التوسل، (يقول الدحلان): ولم ينكر الرسول عليه ومنها قوله:
وأشهد أن الله لا رب غيره
وأنك أدنى المرسلين وسيلة
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة وإنك مأمون على كل غائب
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
وإن كان فيما فيه شيب الذوائب
بمغن فتيلًا عن سواد بن قارب
[ ٢٠٣ ]
١٧ - روى النووي في الأذكار [أن النبي - ﷺ - أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثًا: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد - ﷺ - أجرني من النار].
١٨ - لولا عباد ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبًا.
١٩ - حديث السؤال بمحمد والأنبياء.
يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده [أن أبا بكر الصديق أتى النبي - ﷺ - فقال: إني أتعلم القرآن ويتفلت مني فقال له رسول الله - ﷺ -: قل اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وبموسى نبيك وعيسى روحك وكلمتك وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد بكل وحي أوحيته وقضاء قضيته.
٢٠ - حديث دعاء حفظ القرآن.
ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعاني صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعًا أنه قال: سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر وليشربه على الريق وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه ويدعو به في أداء صلواته: اللهم إني أسألك بأنك مسؤول لم يسأل مثلك ولا يسأل وأسألك بحق محمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى روحك وكلمتك ووجيهك وذكر تمام الدعاء.
٢١ - حديث استفتاح اليهود على المشركين بمحمد - ﷺ -.
يروي عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا دعوا بهذا الدعاء هزموا غطفان فلما بعث النبي - ﷺ - كفروا به فأنزل الله تعالى:
(وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا )
[ ٢٠٤ ]
٢٢ - روى الترمذي عن أنس بن مالك - ﵁ - قال [سألت - ﷺ - أن يشفع لي يوم القيامة فقال: «أنا فاعل»].
٢٣ - مرثية صفية بنت عبد المطلب:
يقول الشيخ دحلان: وكذا من أدلة التوسل مرثية صفية ﵂ عمة رسول الله - ﷺ - فإنها رثته وفاته - ﷺ - بأبيات فيها قوله:
ألا يا رسول الله أنت رجاؤنا وكنت بنا برًا ولم تك جافيًا
ففيها النداء بعد وفاته مع قولها (وأنت رجاؤنا) وسمع تلك المرثية الصحابة - ﵃ - فلم ينكر عليها أحد قولها: يا رسول الله أنت رجاؤنا.
٢٤ - رؤيا الترمذي:
ذكر طاهر بن هاشم با علوي في كتابه المسمى «مجمع الأحباب» في ترجمة الإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن أنه رأى في المنام رب العزة فسأله عما يحفظ عليه الإيمان حتى يتوفاه عليه قال: فقال لي:
قل: إلهي بحرمة الحسن وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه نجني من الغم الذي أنا فيه يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا أرحم الراحمين.
٢٥ - توسل الشافعي بآل البيت:
ذكر ابن حجر المكي في كتابه المسمى: بالصواعق المحرقة لإخوان الضلال والزندقة أن الإمام الشافعي - ﵁ - توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:
آل النبي ذريعتي
أرجو بهم أعطي غدًا وهم إليه وسيلتي
بيدي اليمين صحيفتي
٢٦ - توسل الشافعي بأبي حنيفة عند ضريحه:
قال ابن حجر المكي في كتابه المسمى (بالخيرات الحسان) في مناقب أبي حنيفة النعمان في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة - ﵁ - يجيء إلى ضريحه يزور فيسلم عليه ثم يتوسل إلى الله به في قضاء حاجاته.
[ ٢٠٥ ]
٢٧ - أرأيتم لو كان لأحدكم حاجة عند كبير من المخلوقين أما كنتم توسطون له فيها أحدًا من خواصه الذين لهم دالة عليه، فيدخل عليه ويكلمه بشأنها فتقضى هذه الحاجة لديه؟ ستقولون نعم فنقول: وهكذا نحن نوسط إلى الله تعالى أنبياءه وأولياءه وأصفياءه لتقضى حوائجنا عنده فما بالكم أقمتم الدنيا وأقعدتموها ؟
وبعد: فها نحن قد سردنا لكم ما نعتمده من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة والحجج المنطقية في جواز التوسل بذوات المخلوقين عسى أن تقتنعوا بها وينتهي هذا الخلاف بيننا. والحمد الله رب العالمين.