أَوَّلًا: التَّبَرُّكُ المَشْرُوعُ بِالأَنْبِيَاءِ
إِنَّ بَرَكَةَ الأَنْبِيَاءِ جَارِيَّةٌ وُفْقَ نَوعِينِ:
أ- بَرَكَةٍ حِسِّيَّةٍ: وَهِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ وَآثَارٍ وَأَفْعَالٍ، وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَهَاكَ أَمْثِلَةً:
أَمَّا بَرَكَةُ الذَّاتِ: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: (كَانَ -أَي النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ أَهْلِ المَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا المَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءِ إِلَّا غَمَسَ يَدَهَ فِيهِ) (^٢).
_________________
(١) وَلَا تَخْفَى هُنَا مُرَاعَاةُ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ وَمَصْلَحَةُ الدَّعْوَةِ.
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣٢٤).
[ ١ / ١٤٨ ]
وَأَمَّا بَرَكَةُ الآثَارِ -كَالرِّيقِ وَالشَّعْرِ وَالعَرَقِ-: فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الحُدَيبِيَة؛ أَنَّهُ قَالَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: (وَاللَّهِ؛ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) (^١).
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -تُخْبِرُ عَنْ جُبَّةٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَتْ: (هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا -وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا- فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى) (^٢)، وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ أَيضًا عَلَى صِحَّةِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ.
وَهَذَا التَّبَرُّكُ بِالذَّاتِ وَبِالآثَارِ قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ مَوتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ آثَارِهِ بَاقِيًا بِيَقِينٍ بَعْدَ مَوتِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ المُتَيَقَّنُ مَعَ انْقِرَاضِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَأَمَّا بَرَكَةُ الأَفْعَالِ: فَهُوَ كَمَا فِي حَدِيثِ تَكْثِيرِ المَاءِ بَينَ يَدِيهِ ﷺ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ فِي قِصَّةِ وَلِيمَةِ جَابِرٍ، وَالأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا.
ب- بَرَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ: وَهِيَ بَرَكَةُ الإِسْلَامِ وَالخَيرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيهَا العُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ مَعَ الأَنْبِيَاءِ.
وَهَذِهِ البَرَكَةُ الحَاصِلَةُ؛ مِنْ ثَمَرَتِهَا: الهِدَايَةُ وَالنَّصْرُ فِي الدُّنْيَا، وَالجَنَّةُ وَالنَّجَاةُ مِنَ العَذَابِ فِي الآخِرَةِ.
وَكَمَا فِي حَدِيثِ حُذَيفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁؛ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيرِ؛ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ -مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٧٣١).
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩).
[ ١ / ١٤٩ ]
كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيرِ … الخ) (^١).
وَفِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ قَالَ: بَينَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ (^٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ»، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ التَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ فَسَكَتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَبَرَكَةُ النَّخْلَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا مُسْتَمِرَّةٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا، فَمِنْ حِينِ تَطْلُعُ إِلَى أَنْ تَيبَسَ تُؤْكَلُ أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا حَتَّى النَّوَى فِي عَلَفِ الدَّوَابِ وَاللِّيفِ فِي الحِبَالِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَةُ المُسْلِمِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ وَنَفْعُهُ مُسْتَمِرٌّ لَهُ وَلِغَيِرْهِ حَتَّى بَعْدَ مَوتِهِ" (^٤).
فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ بَرَكَةٌ بِقَدْرِ إِسْلَامِهِ، وَلَيسَتْ هِيَ بَرَكَةُ ذَاتٍ؛ وَإِنَّمَا هِيَ بَرَكَةُ عَمَلٍ بِالشَّرْعِ.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٦٠٦).
(٢) "وَالجُمَّارُ: -بِضَمِّ الجِيمِ وَتَشْدِيدِ المِيمِ- وَهُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْ قَلْبِ النَّخْلِ، يَكُونُ لَيِّنًا". شَرْحُ مُسْلِمٍ للنَّوَوِيِّ (١٧/ ١٥٥).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٤٤٤).
(٤) فَتْحُ البَارِي (١/ ١٤٦).
[ ١ / ١٥٠ ]
ثَانِيًا: التَّبَرُّكُ المَمْنُوعُ بِالأَنْبِيَاءِ
مِنْ صُوَرِهِ (^١):
أ- طَلَبُ الدُّعَاءِ أَوِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ.
وَهَذَا مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، يَقُولُ: مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللهِ؛ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِم" (^٢).
ب- أَدَاءُ بَعْضِ العِبَادَاتِ عِنْدَ قَبْرِهِ ﷺ -كالدُّعاءِ والصَّلاةِ-.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيثُ كُنْتُمْ» (^٣).
ج- التَّمَسُّحُ بِالقَبْرِ وَتَقْبِيلُهُ وَنَحْو ذَلِكَ.
وَهُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَةِ فِي دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَجْرِ عَلَيهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ الله تَعَالَى عَلَيهِم.
وَقَدْ سَبَقَ مَعَنَا حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ ﵁ فِي التَّبَرُّكِ بِالشَّجَرَةِ، حَيثُ قَالَ
_________________
(١) وَهِيَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الحَصْرِ، وَلَعَلَّ فِيهَا الكِفَايَةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٥/ ٢١٩).
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٠٤٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٢٢٦).
[ ١ / ١٥١ ]
النَّبِيُّ ﷺ: «قُلْتُم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٣٨]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (^١) (^٢).
د- التَّبَرُّكُ بِالمَوَاضِعِ الَّتِي جَلَسَ أَو صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ.
وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ يُبْنَى فَهْمُهَا عَلَى مَعْرِفَةِ حَالَينِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ هَذِهِ المَوَاضِعِ:
الأَوَّلِ: مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العِبَادَاتِ فِي مَكَانٍ مَا (^٣)؛ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ قَصْدُهُ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ طَلَبًا لِلأَجْرِ (^٤).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢١٩٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢١٨٠). ظِلَالُ الجَنَّةِ (٧٦).
(٢) قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَيضُ القَدِيرِ) (٥/ ٥٥) -عِنْدَ حَدِيثِ «فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» -: "أَي: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ تَمَسُّحٌ بِالقَبْرِ أَو تَقْبِيلٌ أَو سُجُودٌ عَلَيهِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ -كَمَا قَالَ السُّبكْيُّ-: بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، إِنَّمَا يَفْعَلُهَا الجُهَّالُ".
(٣) كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، أَو فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، أَو فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، أَو
(٤) وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَدُّ رَحِلٍ -أَي: سَفَرٌ-، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِغَيرِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِسَبَبِ مَا جَاءَ مِنَ التَّخْصِيصِ بِهَا. وَفِي الحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ (١٤٣٠) -وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الإِرْوَاءِ (٤/ ١٤١) -: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: لَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيَّ، فَقَالَ: منْ أَينَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ. قَالَ: لَو لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ. قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ المَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ بَيتِ المَقْدِسِ». وَالحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (١١٨٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ٢٢٦): "عَنْ قَزَعَةَ قَالَ: أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى الطُّورِ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إَلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى»، وَدَعْ عَنْكَ الطُّورَ فَلَا تَأْتِهِ). أَخْرَجَهُ الأَزْرَقِيُّ =
[ ١ / ١٥٢ ]
الثَّانِي: مَا حَصَلَ اتِّفَاقًا، أَي: لَمْ يَتَقَصَّدْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَقَصُّدُه (^١).
قَالَ المَعْرُورُ بْنُ سُوَيدٍ الأَسَدِيُّ؛ خَرَجْتُ مَعَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا صَلَّى بِنَا الغَدَاةَ، ثُمَّ رَأَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: أَينَ يَذْهَبُ هَؤلَاءِ؟ قَيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مَسْجِدٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُمْ يَأْتُونَهُ يُصَلُّونَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِمِثْلِ هَذَا: يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِم، فَيَتَّخِذُونَهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا! مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ فَلْيُصَلِّ؛ وَمَنْ لَا فَلْيَمْضِ، وَلَا يَتَعَمَّدْهَا (^٢).
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَولَ عُمَرَ السَّالِفَ فِي النَّهْي عَنْ تَتَبُّعِ الآثَارِ هُوَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ﵁.
قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ القُرْطُبِيُّ ﵀ (^٣): "وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ يَكْرَهُونَ إِتْيَانَ تِلْكَ المَسَاجِدِ وَتِلْكَ الآثَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ مَا عَدَا قُبَاءَ وَحْدَهُ" (^٤).
_________________
(١) = فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ (ص ٣٠٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَأَورَدَ المَرْفُوعَ مِنْهُ الهَيثَمِيُّ فِي المَجْمَعِ (٤/ ٤) وَقَالَ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ وَالأَوسَطِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ".
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (٣/ ٤٢٨): "وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ مَشْهُورًا بِتَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا. وَهِيَ عَلَى نَوعَينِ: أَحَدِهِمَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصُدُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، كَمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي مَوضِعِهِ مِنَ الكِتَابِ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ اتِّفَاقًا لِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ لَهُ عِنْدَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَصَّ ابْنُ عُمَرَ بِإِتِّبَاعِهِ". قُلْتُ: وَقَولُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ (اخْتَصَّ) فِيهِ بَيَانُ تَفَرُّدِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ دُونَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الفِعْلِ -خَاصَّةً أَبُوهُ الفَارُوقُ-كَمَا سَبَقَ.
(٣) صَحِيحٌ. ابْنُ أَبِي شَيبَةَ (٧٥٥٠). اُنْظُرْ تَخْرِيجَ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ وَدِمَشْقَ (ص ٥٠) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.
(٤) هُوَ مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاٍح القُرْطُبِيُّ (تُوفِّيَ قُرَابَةَ ٢٨٠ هـ) فِي كِتَابِهِ (البِدَعُ وَالنَّهْيُ عَنْهَا) (ص ٤١).
(٥) فِي الأَصْلِ (قُبَاءَ وَأُحُدًا)، وَالمَقْصُودُ بِـ (أُحُد) زِيَارَةُ قُبُورِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَالسَّلَامُ عَلَى أَهْلِهَا، وَالَّذِي أَثْبَتُّهُ هُوَ مِنْ نَقْلِ الِاعْتِصَامِ (١/ ٤٤٩): "قُبَاءَ وَحْدَهُ".
[ ١ / ١٥٣ ]