- مُنَاسَبَةُ البَابِ مَعَ البَابِ المَاضِي؛ أَنَّهُ فِي البَابِ المَاضِي يُنْهَى عَنِ الذَّبْحِ لِغَيرِ اللهِ مِنْ جِهَةِ كَونِهِ شِرْكًا، فَهُوَ نَهْيٌ مِنْ جِهَةِ القَصْدِ، وَفِي هَذَا البَابِ يُنْهَى عَنِ الذَّبْحِ -وَلَو أَنَّهُ للهِ- مِنْ جِهَةِ المُشَابَهَةِ لِأَفْعَالِ المُشْرِكِينَ.
- سِيَاقُ الآيَةِ السَّابِقَةِ هُوَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التّوبة: ١٠٧ - ١٠٨].
قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "كَانَ أُنَاسٌ مِنَ المُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ قُبَاء اتَّخَذُوا مَسْجِدًا إِلَى جَنْبِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ يُرِيدُونَ بِهِ المُضَارَّةَ وَالمُشَاقَّةَ بَينَ المُؤْمِنِينَ، وَيُعِدُّونَهُ لِمَنْ يَرْجُونَهُ مِنَ المُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ يَكُون لَهُم حِصْنًا عِنْدَ الاحْتِيَاجِ إِلَيهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى خِزْيَهُم؛ وَأَظْهَرَ سِرَّهُم، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أَي: مُضَارَّةً لِلمُؤْمِنِين وَلِمَسْجِدِهِم الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، ﴿وَكُفْرًا﴾ أَي: قَصْدُهُم فِيهِ الكُفْرُ؛ إِذْ قَصَدَ غَيرُهُم الإِيمَانَ.
﴿وَتَفْرِيقًا بَينَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: لِيَتَشَعَّبُوا وَيَتَفَرَّقُوا وَيَخْتَلِفُوا، ﴿وَإِرْصَادًا﴾ أَي: إِعْدَادًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أَي: إِعَانَةً لِلمُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ حِرَابُهُم وَاشْتَدَّتْ عَدَاوَتُهُم، وَذَلِكَ كَأَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ؛ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ كَفَرَ بِهِ، وَكَانَ مُتَعَبِّدًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَذَهَبَ إِلَى
[ ١ / ١٩٩ ]
المُشْرِكِينَ يَسْتَعِينُ بِهِم عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَلَمَّا لَمْ يُدْرِكْ مَطْلُوبَهُ عِنْدَهُم ذَهَبَ إِلَى قَيصَرَ -بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَنْصُرُهُ-، فَهَلَكَ اللَّعِينُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ عَلَى وَعْدٍ وَمُمَالَأَةٍ هُوَ وَالمُنَافِقُونَ، فَكَانَ مِمَّا أَعَدُّوا لَهُ مَسْجِدَ الضِّرَارِ، فَنَزَلَ الوَحْيُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَهْدِمُهُ وَيَحْرِقُهُ، فَهُدِمَ وحُرِقَ، وَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَزْبَلَةً.
قَالَ تَعَالَى -بَعْدَمَا بَيَّنَ مِنْ مَقَاصِدِهِم الفَاسِدَةِ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ-: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ فِي بِنَائِنَا إِيَّاهُ ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أَي: الإِحْسَانَ إِلَى الضَّعِيفِ وَالعَاجِزِ وَالضَّرِيرِ ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فَشَهَادَةُ اللهِ عَلَيهِم أَصْدَقُ مِنْ حَلِفِهِم.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ أَي: لَا تُصَلِّ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ضِرَارًا أَبَدًا، فَاللهُ يُغْنِيكَ عَنْهُ، وَلَسْتَ بِمُضْطَرٍّ إِلَيهِ، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ظَهَرَ فِيهِ الإِسْلَامُ فِيهِ -وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ- أُسِّسَ عَلَى إِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ، وَإِقَامَةِ ذِكْرِهِ وَشَعَائِرِ دِينِهِ، وَكَانَ قَدِيمًا فِي هَذَا عَرِيقًا فِيهِ؛ فَهَذَا المَسْجِدُ الفَاضِلُ ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ وَتَتَعَبَّدَ وَتَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى، فَهُوَ فَاضِلٌ وَأَهْلُهُ فُضَلَاءُ، وَلِهَذَا مَدَحَهُم اللهُ بِقَولِهِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِنَ الذُّنُوبِ وَيَتَطَهَّرُوا مِنَ الأَوسَاخِ وَالنَّجَاسَاتِ وَالأَحْدَاثِ" (^١).
- قَولُهُ: «لَا يُذْبَحُ للهِ» هَذَا مِنَ النَّفْي المُشْتَمِلِ عَلَى النَّهْي، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ مُجَرَّدِ النَّهْي، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ أَصْلًا.
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٣٥١).
[ ١ / ٢٠٠ ]
- الحِكْمَةُ فِي النَّهْي عَنِ الذَّبْحِ فِي مَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ هِيَ:
١ - أَنَّهَا وَسِيلَةٌ مُفْضِيَةٌ إِلَى الشِّرْكِ، فَهِيَ مِنْ بَابِ سَدِّ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.
وَكَمَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَوقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ هِيَ لِعِلَّةِ مَنْعِ التَّشَبِّهِ بِالمُشْرِكِينَ -وَهِيَ مُشَابَهَةٌ زَمَنِيَّةٌ-؛ فَمَوضُوعُ البَابِ فِي المُشَابَهَةِ المَكَانِيَّةِ.
٢ - تَشَبُّهٌ بِالكُفَّارِ الَّذِينَ يَذْبَحُونَ فِيهِ لِغَيرِ اللهِ.
٣ - يُؤَدِّي لِلاغْتِرَارِ بِالفِعْلِ، فَمَنْ رَآه يَظُنُّ أَنَّ فِعْلَ المُشْرِكِينَ جَائِزٌ!
٤ - تَكْثِيرٌ لِسَوَادِهِم، فَالمُشْرِكُونَ يَقْوَونَ عَلَى فِعْلِهِم إِذَا رَأَوا مَنْ يَفْعَلُ مِثْلَهُم.
- النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ عُمُومًا لَهُ عِدَّةُ أَسْبَابٍ:
١ - مُضَارَّةُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَلِهَذَا سُمِّيَ بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ (^١).
٢ - الكُفْرُ بِاللهِ حَيثُ اتَّخَذَهُ المُنَافِقُونَ لِأَغْرَاضِهِم الخَبِيثَةِ.
٣ - التَّفْرِيقُ بَينَ المُؤْمِنِينَ؛ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاء صَفٌّ أَو صَفَّانِ؛ يُصَلِّي فِيهِ نِصْفُ صَفٍّ وَالبَاقِي فِي المَسْجِدِ الآخَرِ! وَالشَّرْعُ لَهُ نَظَرٌ فِي اجْتِمَاعِ المُصَلِّينَ.
٤ - الإِرْصَادُ وَالإِعْدَادُ لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ.
- التَّقْوَى أَصْلُهَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ (وَقْوَى) فَالتَّاءُ فِيهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ، وَهِيَ مِنَ الوِقَايَةِ، وَقَاهُ يَقِيهِ وِقَايَةً.
- المُتَّقِي لُغَةً: هُوَ مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَكْرَهُ وِقَايَةً، وَشَرْعًا: مَنْ جَعَلَ بَينَهُ وَبَينَ
_________________
(١) رُغْمَ أَنَّهُم عَلَّلُوا سَبَبَ بِنَائِهِ أَنَّهُ يَكُونُ لِلمَرِيضِ أَو مِنْ أَجْلِ الليلَةِ المَطِيرَةِ أَوِ البَارِدَةِ لِئَلَّا يَشِقَّ عَلَيهِم الذَّهَابُ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ.
[ ١ / ٢٠١ ]
سَخَطِ اللهِ وَعَذَابِهِ وِقَايَةً.
- التَّقْوَى لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ بَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (^١)، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: (كَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيرِ لَنْ يُصِيبَهُ) (^٢).
- التَّقْوَى فِي القُرْآنِ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ:
١ - تَقْوَى بِمَعْنَى التَّوحِيدِ، وَقَدْ أُمرَ بِهَا النَّاسُ جَمِيعًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء: ١].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ: "يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا خَلْقَهُ بِتَقْوَاهُ -وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَمُنَبِّهًا لَهُم عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُم بِهَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ آدَمَ ﵇" (^٣).
٢ - تَقْوَى أُمِرَ بِهَا المُؤْمِنُونَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨] فَهِيَ لِلمُؤْمِنِ بَعْدَ تَحْصِيلِهِ التَّوحِيدَ، وَمَعْنَاهَا: أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٥٢٠): "أَي: كَمَا بَيَّنَ اللهُ الصِّيَامَ وَأَحْكَامَهُ وَشَرَائِعَهُ وَتَفَاصِيلَهُ؛ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ سَائِرَ الأَحْكَامِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَي: يَعْرِفُونَ كَيفَ يَهْتَدُونَ، وكَيفَ يُطِيعُونَ".
(٢) صَحِيحٌ. الدَّارِمِيُّ (٢١٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَة (٢٠٠٥).
(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٢/ ٢٠٦).
[ ١ / ٢٠٢ ]
٣ - تَقْوَى بِمَعْنَى الثَّبَاتِ عَلَيهَا وَعَلَى الطَّاعَةِ، فَهِيَ مُوَجَّهَةٌ لِمَنْ هُوَ آتٍ بِهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأَحْزَاب: ١].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ هَذَا فِيهِ اسْتِعْمَالُ أَفْعُلِ التَّفْضِيلِ عَلَى غَيرِ بَابِهَا، فَلَيسَ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ حَقٌّ أَصْلًا لِلصَّلَاةِ فِيهِ؛ وَقَدْ أُسِّسَ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْصِيَةِ!
- وَجْهُ المُنَاسَبَةِ مِنَ الآيَةِ: أَنَّ هَذَا المَسْجِدَ لَمَّا أُعِدَّ لِمَعْصِيَةِ اللهِ صَارَ مَحَلَّ غَضَبٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَو للهِ، وَعَلَاقَةُ هَذَا مَعَ البَابِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ القِيَاسِ، حَيثُ صَارَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ مُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ فِي مَكَانِ العِبَادَةِ وَلَو كَانَتْ للهِ، أَمَّا الحَدِيثُ الآتِي فِي البَابِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّنْصِيصِ عَلَى النَّهْي.
- المَسْجِدُ المَذْكُورُ فِي الآيَةِ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، وَقَدْ وَرَدَتِ الفَضِيلَةُ فِيهِ وَفِي أَهْلِهِ، وَهِيَ:
١ - أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ تَعْدِلُ عُمْرَةً.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هذَا المَسْجِدَ -مَسْجِدَ قُبَاءٍ- فَيُصَلِّي فِيهِ؛ كانَ لَهُ عَدْلَ عُمْرَةٍ» (^١).
٢ - فَضِيلَةُ أَهْلِهِ مِنْ جِهَةِ الطَّهَارَةِ -البَدَنِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ-.
لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التَّوبَة: ١٠٨].
وَفِي الحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؛ إِنَّ اللهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيكُمْ فِي الطُّهُورِ، فَمَا
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٥٩٨١) عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٣٤٤٦).
[ ١ / ٢٠٣ ]
طُهُورُكُمْ؟» قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجِي بِالمَاءِ. قَالَ: «فَهُوَ ذَاكَ، فَعَلَيكُمُوهُ» (^١).
- قَولُهُ: (بُوَانَة): "هَضَبَةٌ وَرَاءَ يَنْبُع، قَرِيبَةٌ مِنْ سَاحِلِ البَحْرِ" (^٢).
- النَّذْرُ لُغَةً: الإِلْزَامُ وَالعَهْدُ، وَاصْطِلَاحًا: إِلْزَامُ المُكَلَّفِ نَفْسَهُ للهِ شَيئًا غَيرَ وَاجِبٍ، وَالنَّذْرُ مِنْهُ المَكْرُوهُ (^٣) وَمِنْهُ المُسْتَحَبُّ.
- قَولُهُ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوثَانِ الجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ؟» «يُعْبَدُ» صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ -كَاشِفَةٌ- ولَيسَتْ مُقَيِّدَةٌ، وَالمَعْنَى هَلْ كَانَ فِيهَا شَيءٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؟ وَلَيسَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَثَنٌ -وَلَكِنَّهُ لَا يُعْبَدُ- فَجَائِزٌ (^٤).
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٥٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا. اُنْظُرْ تَحْقِيقَ مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ (٣٦٩).
(٢) مُعْجَمُ البُلْدَانِ (١/ ٥٠٥).
(٣) بَلْ إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ العِلْمِ يَمِيلُ لِحُرْمَتِهِ؛ وَفِي البُخَارِيِّ (٦٦٩٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ؛ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا! وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ».
(٤) وَالصِّفَةُ المُوَضِّحَةُ يُفِيدُ وَضْعُهَا بَيَانَ العِلَّةِ فِي النَّهْي، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١١٧] فَلَيسَ مَعْنَى ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ بُرْهَانٌ بِهِ فَجَائِزٌ! وَلَكِنِ المَعْنَى: أَنَّ أيَّ شَيءٍ غَيرَ اللهِ لَيسَ لَهُ بُرْهَانٌ لِلعِبَادَةِ، فَهِيَ عِلَّةُ التَّوحِيدِ لِرَبِّ العَالَمِينَ ﷾. وَمِثْلُهُ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢١] فَلَيسَ المَعْنَى أَنَّهُ هُنَاكَ رَبٌّ خَالِقٌ وَهُنَاكَ رَبٌّ لَمْ يَخْلُقْ! وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الخَالِقُ وَحْدَهُ. وَمِثْلُهُ أَيضًا حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ (٢٦٧٧) مَرْفُوعًا عَنْ عَمْرو بْنِ عَوفٍ -وَالحَدِيثُ ضَعِيفٌ؛ كَمَا فِي ضَعِيفِ الجَامِعِ (٩٦٥) -: "مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضلالَةٍ لَا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ؛ كانَ علَيهِ مِثْلُ آثامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزَارِ النَّاسِ شَيئًا». فَقَولُهُ «لَا يَرْضَاهَا» صِفَةٌ شَارِحَةٌ لِلضَّلَالَةِ، وَلَا يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مِنَ البِدَعِ الضَّلَالَاتِ مَا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ!
[ ١ / ٢٠٤ ]
- فِي الحَدِيثِ نَهْيٌ عَنِ الشِّرْكِ فِي قَولِهِ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ؟»، وَنَهْيٌ عَنْ وَسَائِلِهِ فِي قَولِهِ: «عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟».
- العِيدُ: لُغَةً مِنَ العَودِ، أَي: مَا يَقَعُ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ عَائِدٍ.
وَيُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
١ - عِيدٍ زَمَنِيٌّ: كَيَومِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى وَيَومِ الجُمُعَةِ.
٢ - عِيدٌ مَكَانِيٌّ: أَي: مَا تُعَادُ زِيَارَتُهُ (^١) -كَالحَدِيثِ هُنَا- وَمِثْلِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنَى، هَذِهِ أَعْيَادٌ لِلمُسْلِمِينَ مَكَانِيَّةٌ.
٣ - الاجْتِمَاعُ وَالأَعْمَالُ المُعَيَّنَةِ: كَقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: (شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^٢) (^٣).
- فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ قَصْدِ وَنيَّةِ التَّشَبُّهِ كَي يَكُونَ ذَلِكَ الأَمْرُ لِلتَّحْرِيمِ، حَيثُ لَمْ يَسْتَفْصِلِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَصْدِهِ -لَا سِيَّمَا وَأَنَّ السَّائِلَ مُسْلِمٌ-.
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبِغُونَ؛ فَخَالِفُوهُمْ» (^٤)،
_________________
(١) وَكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٠٤٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٢٠٤٢). وَسَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(٢) البُخَارِيُّ (٩٦٢).
(٣) وَأَعْيَادُ المُشْرِكِينَ مِنْ نَاحِيَةِ الأَمْكِنَةِ أَوِ الأَزْمِنَةِ مَعْلُومٌ أَنَّهَا رَاجِعَةٌ فِي نَشْأَتِهَا إِلَى عَقَائِدِهِم وَدِيَانَاتِهِم الشِّرْكيَّةِ، فَإِذًا يَكُونُ المَعْنَى أَنَّهُم يَتَعَبَّدُونَ فِي تِلْكَ الأَعْيَادِ عِبَادَاتِهِم الشِّرْكِيَّةَ، وَأَعْظَمُ مَا يُفْعَلُ عِنْدَهَا هُنَاكَ التَّقَرُّبُ بِالذَّبْحِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ.
(٤) وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبِغُونَ؛ فَخَالِفُوهُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤٦٢)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٣) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيبَ لَا يَحْصُلُ بِالقَصْدِ -حَيثُ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُ وَالكَافِرُ- وَمَعْ ذَلِكَ أُمِرَ المُسْلِمُ بِتَغْيِيرِهِ مُخَالَفَةً لِلنَّصَارَى.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ الشَّيبَ لَا يَحْصُلُ بِالقَصْدِ -حَيثُ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُسْلِمُ وَالكَافِرُ-؛ وَمَعْ ذَلِكَ أُمِرَ المُسْلِمُ بِتَغْيِيرِهِ مُخَالَفَةً لِلنَّصَارَى.
- قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَة -عِنْدَ حَدِيثِ البَابِ-: "وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ تَحْرِيمُ الوَفَاءِ بِنَذْرِ المَعْصِيَةِ، وَأَنَّ مِنْ ذَلِكَ الوَفَاءُ بِنَذْرِ الطَّاعَةِ فِي مَكَانٍ كَانَ يُشْرَكُ فِيهِ بِاللهِ، أَو كَانَ عِيدًا لِلكُفَّارِ، فَضْلًا عَنْ مَكَانٍ يَتَعَاطَى النَّاسُ الشِّرْكَ فِيهِ، أَو مَعَاصِيَ" (^١).
- فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ المُكْثِ فِي مَكَانٍ يُعْصَى فِيهِ اللهُ تَعَالَى إِلَّا عَلَى جِهَةِ الإِنْكَارِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٦٨].
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا أَو أَنْكَرَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» (^٢).
_________________
(١) الصَّحِيحَةُ (٢٨٧٢).
(٢) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٤٥) عَنِ العُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٨٩).
[ ١ / ٢٠٦ ]