- هَذَا البَابُ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ البَابِ السَّابِقِ؛ فَإِنَّ فِيهِ: (مَنْ حَقَّقَ التَّوحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ)، وَتَحْقِيقُ التَّوحِيدِ هُوَ تَصْفِيَةُ التَّوحِيدِ وَالشَّهَادَتَينِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالبِدَعِ وَالمَعَاصِي.
فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِتَرْكِ شِرْكِ العُبُودِيَّةِ! بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يُشْرِكَ هَوَاهُ فِي الطَّاعَةِ، وَإِذَا أَشْرَكَ المَرْءُ هَوَاهُ أَتَى بِالبِدَعِ وَأَتَى بِالمَعْصِيَةِ، فَصَارَ نَفْيُ الشِّرْكِ هُنَا نَفْيًا لِلشِّرْكِ بِأَنْوَاعِهِ، وَنَفْيًا لِلبِدْعَةِ، وَنَفْيًا لِلمَعْصِيَةِ، وَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ التَّوحِيد للهِ تَعَالَى (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: "فَجَمِيعُ المَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٥٠]، وَكَذَلِكَ البِدَعُ؛ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى الشَّرْعِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُهَا أَهْلَ الأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ المَعَاصِي إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ" (^٢).
- قَولُهُ: «لَا يَسْتَرْقُونَ» أَي: لَا يَطْلُبُونَ الرُّقْيَةَ، وَالطَّالِبُ لِلرُّقْيَةِ فِي قَلْبِهِ مَيلٌ وَتَعَلُّقٌ بِالرَّاقِي حَتَّى يُرْفَعَ مَا بِهِ -أَي: مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ-، وَهَذَا التَّعَلُّقُ يُنَافِي كَمَالَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ ﷻ (^٣).
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ كِتَابِ التَّمْهِيدُ (ص ٣٨) لِلشَّيخِ صَالِحِ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ.
(٢) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩٧) -شَرْحُ حَدِيثِ رَقَم (٤١) -.
(٣) أَي: الكَمَالَ المُسْتَحَبَّ، وَهَذَا لَا يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ؛ لَكِنَّهُ خِلَافُ الأَكْمَلِ.
[ ١ / ٦٠ ]
وِإِنَّ مَنْ تَرَكَ طَلَبَ الرُّقْيَةِ -الَّتِي هِيَ فِي أَصْلِهَا جَائِزَةٌ- مِنْ رَجُلٍ حَيٍّ حَاضِرٍ قَادِرٍ عَلَيهَا؛ أَفَلَا يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ أَنْ يَطْلُبَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ مِنْ غَيرِ اللهِ؛ مِنْ مَقْبُورٍ أَو غَائِبٍ؟؟ فَظَهَرَ بِذَلِكَ سِرُّ اسْتِحْبَابِ تَرْكِ طَلَبِ الرُّقْيَةِ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ التَّوحِيدِ المُسْتَحَبِّ.
- ذَكَرَ المُؤَلِّفُ فِي هَذَا البَابِ آيَتِينِ، وَمُنَاسَبَتُهُمَا لِلبَابِ: الإِشَارَةُ إِلَى تَحْقِيقِ التَّوحِيدِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِانْتِفَاءِ الشِّرْكِ كُلِّهِ.
- فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ -هُنَا- بَيَانُ أَرْبَعِ صِفَاتٍ لَهُ، وَهِيَ:
١ - أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا، فَهُوَ قُدْوَةٌ لِغَيرِهِ فِي التَّوحِيدِ، فَقَدْ أَتَى بِكَمَالِ التَّوحِيدِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البَقَرَة: ١٢٤]، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [المُمْتَحَنَة: ٤] (^١).
_________________
(١) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَالفَرْقُ بَينَ الأُمَّةِ وَالإِمَامِ مِن وَجْهَينِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الإِمَامَ كُلُّ مَا يُؤْتَمُّ بِهِ سَوَاءً كَانَ بِقَصْدِهِ وَشُعُورِهِ أَوْ لَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الطَّرِيقُ إِمَامًا كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحِجْر: ٧٨ - ٧٩] أَي: بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ لَا يَخْفَى عَلَى السَّالِكِ، وَلَا يُسَمَّى الطَّرِيقُ أُمَّةً! الثَّانِي: أَنَّ الأُمَّةَ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ صِفَاتِ الكَمَالِ مِن العِلْمِ وَالعَمَلِ بِحَيثُ بَقِيَ فِيهَا فَرْدًا وَحْدَهُ، فَهُوَ الجَامِعُ لِخِصَالٍ تَفَرَّقَتْ فِي غَيرِهِ، فَكَأَنَّهُ بَايَنَ غَيرَهُ بِاجْتِمَاعِهِا فِيهِ وَتَفَرُّقِهَا أَوْ عَدَمِهَا فِي غَيرِهِ، وَلَفْظُ (الأُمَّةُ) يُشْعِرُ بِهَذَا المَعْنَى لِمَا فِيهِ مِن المِيمِ المُضَعَّفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الضَّمِّ بِمَخْرَجِهَا وَتَكْرِيرِهَا، وَكَذَلِكَ ضَمُّ أَوَّلِه؛ فَإِنَّ الضَّمَّةَ مِن الوَاوِ وَمَخْرَجِها يَنْضَمُّ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا، وَأَتَى بِالتَّاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الوِحْدَةِ كَالغُرْفَةِ وَاللُّقْمَةِ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «إِنَّ زَيدَ بنَ عَمرِو بْنِ نُفَيلٍ يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ»، فَالضَّمُّ وَالاجْتِمَاعُ لَازِمٌ لِمَعْنَى الأُمَّةِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الأُمَّةُ الَّتِي هِي آحَادُ الأُمَمِ لأَنَّهُم النَّاسُ المُجْتَمِعُونَ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ أَو فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ". مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ (١/ ١٧٤). قُلْتُ: وَالحَدِيثُ المَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (٩٧٣)، وَأَوْرَدَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِ السِّيرَةِ (ص ٩٤).
[ ١ / ٦١ ]
٢ - أَنَّهُ كَانَ قَانِتًا للهِ، أَي: دَائِمَ الطَّاعَةِ للهِ.
٣ - أَنَّهُ كَانَ حَنِيفًا (^١)؛ أَي: مَائِلًا عَنْ سَبِيلِ المُشْرِكِينَ؛ وَالَّذِي هُوَ الابْتِدَاعُ وَالقَولُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ.
٤ - أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ مَعَ اللهِ مَعْبُودًا آخَرَ.
فَفِي الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَذَلِكَ لِكَونِهِ دَائِمَ الطَّاعَةِ للهِ تَعَالَى؛ مُوَافِقًا لِشِرْعَةِ رَبِّهِ؛ غَيرَ مُشْرِكٍ بِهِ، وَإِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى إِمَامَتِهِ هُوَ إِرْشَادٌ إِلَى تَمَامِ الدِّينِ بِذَلِكَ.
- لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ ثَنَاءَ اللهِ تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الثَّنَاءِ عَلَيهِ، وَلَكِنْ يُقْصَدُ بِهِ أَيضًا مَحَبَّتُهُ، وَالاقْتِدَاءُ بِهِ.
- الحُمَةُ -بِضَمِّ الحَاءِ المُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ المِيمِ-: هِيَ سُمُّ العَقْرَبِ وَشَبَهُهَا.
- فِي عَرْضِ الأُمَمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَيَانُ فَضِيلَتِهِ ﷺ وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ؛ وَأَيضًا تَسْلِيَتُهُ فِي أَنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يَأْتِ مَعَهُ أَحَدٌ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَيضًا نَاصِرُهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ وَخَذَلَهُ.
- حَدِيثُ البَابَ جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِلَفْظِ: «فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي ﷿؛ فَزادَنِي مَعَ كلِّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا» (^٢)، وَفِي لَفْظٍ أَيضًا «مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا؛ وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِن حَثَيَاتِ رَبِّي» (^٣).
_________________
(١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٩/ ٥٧): "مَعْنَى الحَنِيفِيَّةِ فِي اللُّغَةِ: المَيلُ، وَالمَعْنَى: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَنَفَ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ الإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ الحَنَفُ مِنْ قَولِهِمْ: رَجُلٌ أَحْنَفُ، وَرِجْلٌ حَنْفاءُ، وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ قَدَمَاهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى أُخْتِهَا بِأَصَابِعِهَا".
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢). الصَّحِيحَةُ (١٤٨٤).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٢٣٠٣). الصَّحِيحَةُ (١٩٠٩).
[ ١ / ٦٢ ]
- دَرَجَاتُ النَّاسِ عِنْدَ الرُّقْيَةِ:
١ - مَنْ يَطْلُبُهَا، وَهَذَا قَدْ فَاتَهُ الكَمَالُ.
٢ - أَنْ لَا يَمْنَعْ مَنْ يَرْقِيهِ، وَهَذَا لَمْ يَفُتْهُ الكَمَالُ.
٣ - أَنْ يَمْنَعْ مَنْ يَرْقِيهِ، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْنَعْ عَائِشَةَ ﵂ أَنْ تَرْقِيَهُ (^١).
- فِي الحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ المَعَارِيضِ (^٢)، وَذَلِكَ لِقَول الرَّسُولِ ﷺ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»؛ فَإِنَّ هَذَا فِي الحَقِيقَةِ لَيسَ هُوَ المَانِعَ الحَقِيقِيَّ، بَلِ المَانِعُ هُوَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ مُنَافِقًا فَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجِيبَهُ إِلَيهَا، وَإِمَّا خَوفًا مِنِ فَتْحِ هَذَا البَابِ؛ فَيَسْتَرْسِلُ النَّاسُ بِذَلِكَ؛ فَيَسْأَلُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مَنْ لَيسَ مِنْ أَهْلِهَا!
- (الأُمَّةُ): تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ يَجْمَعُهُم أَمْرٌ مِنَ الأُمُورِ؛ إِمَّا دِينٌ، أَو زَمَانٌ، أَو مَكَانٌ، وَأَيضًا يُطْلَقُ عَلَى الإِمَامِ القُدْوَةِ، وَأَدِلَّتُهَا كَمَا يَلِي:
١ - الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ فِي المَكَانِ الوَاحِدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القَصَص: ٢٣].
٢ - المِلَّةُ وَالدِّينُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٣].
٣ - الفَتْرَةُ مِنَ الزَّمَنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ
_________________
(١) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢١٩٢) -بَابُ رُقيَةِ المَرِيضِ بِالمُعَوِّذَاتِ وَالنَّفْثِ- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ -مَرَضَه الَّذِي مَاتَ فِيهِ- جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أعَظْمَ بَرَكةً مِنْ يَدِي).
(٢) كَمَا فِي الأَثَرِ: (إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ). صَحِيحٌ. البَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٢٠٨٤٢) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ مَوقُوفًا. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (١٠٩٤).
[ ١ / ٦٣ ]
بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يُوسُف: ٤٥].
٤ - الإِمَامُ القُدْوَةُ المُتَّبَعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النَّحْل: ١٢٠] (^١).
- قَولُهُ: (عُكَّاشَةُ) - بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ - لُغَتَانِ.
_________________
(١) مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ، شَرِيطُ رَقَم (١٦) شَرْحُ البَابِ.
[ ١ / ٦٤ ]
جُمْلَةٌ مِنَ الفَوَائِدِ عَلَى البَابِ:
- فَائِدَة ١: فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ لَفْظُ: «مُتَمَاسِكِينَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمُ الجَنَّةَ، وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوءِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ» (^١).
- فَائِدَة ٢: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ؛ أَنَّهُ (رُخِّصَ فِي الحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ وَالعَينِ) (^٢) (^٣)، وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالسُّمِّ كُلُّ مَا عَرَضَ لِلبَدَنِ مِنْ قَرْحِ وَنَحْوِهِ مِنَ المَوَادِ السُّمِّيَّةِ (^٤).
- فَائِدَة ٣: إِنَّ طَلَبَ عُكَّاشَةَ الدُّعَاءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَنْفِي عَنْهُ كَونَهُ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا! وَذَلِكَ لِأَنَّ دُعَاءَ الرَّسُولِ ﷺ لَيسَ كَدُعَاءِ غَيرِهِ، وَلَعَلَّهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ قَاعِدَةِ: "مَا مُنِعَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ" (^٥) (^٦).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٥٤٣).
(٢) مُسْلِمٌ (٢١٩٦).
(٣) "النَّمْلَةُ: قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الجَنْبَينِ، وَهُوَ دَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَسُمِّيَ نَمْلَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُحِسُّ فِي مَكَانِهِ كَأَنَّ نَمْلَةً تَدِبُّ عَلَيهِ وَتَعَضُّهُ". زَادُ المَعَادِ (٤/ ١٦٩)، وَهُوَ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الأَكْزِيمَا، وَيُعْرَفُ اليَومَ بِالْتِهَابِ الجِلْدِ الدُّهْنِيِّ.
(٤) مُسْتَفَادٌ مِنْ رِسَالَةِ التَّبَرُّكُ (ص ٢٢٣) لِلشَّيخِ نَاصِرِ الجديع.
(٥) وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القَاعِدَةَ ابْنُ القيَّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ (٢/ ١٠٨).
(٦) وَذَلِكَ لِأَنَّ دُعَاءَ النَّبِيِّ ﷺ لَيسَ كَدُعَاءِ غَيرِهِ. وَمِثْلُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٥٤٢) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبرَّهُ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فُمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ»، فَلَمَّا لَقِيَهُ عُمَرُ قَالَ الحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ: (فَاسْتَغْفِرْ لِي)، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. وَعِنْدِي أَيضًا وَجْهٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: وَهُوَ أَنَّ المَنْعَ هُوَ بِاعْتِبَارِ الدَّيدَنِ وَكَثْرَةِ الطَّلَبِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا كَانَ عَارِضًا كَمَصْلَحَةٍ أَو عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ -فِي جَعْلِهِ دَيدَنًا- مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِقَولِهِم: (اُدْعُ لَنَا) كُلَّمَا رَآكَ أَو فَارَقَكَ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١ / ٦٥ ]
وَنَقَلَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الاعْتِصَامُ) (^١) مِنْ كِتَابِ (التَّهْذِيب) لِلطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كَثِيرًا مِنَ الآثَارِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم- كَانُوا يَكْرَهُونَ تَقَصُّدَ النَّاسِ لَهُم لِلدُّعَاءِ، وَيَقُولُونَ لَهُم: (لَسْنَا بِأَنْبِيَاءٍ! أَنَحْنُ أَنْبِيَاءُ؟!).
- فَائِدَة ٤: فِي مَسْأَلَةِ التَّدَاوِي قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (^٢): "فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي التَّدَاوِي هَلْ هُوَ مُبَاحٌ، أَو مُسْتَحَبٌّ، أَو وَاجِبٌ؟
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ النَّفْسِ لَا بِغَيرِهِ؛ كَمَا يَجِبُ أَكْلُ المَيتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْد الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ العُلَمَاءِ، وَقَدْ قَالَ مَسْرُوقٌ: مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ المَيتَةِ؛ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ! دَخَلَ النَّارَ. فقَدْ يَحْصُلُ أَحْيَانًا لِلْإِنْسَانِ إذَا اسْتَحَرَّ المَرَضُ مَا إنْ لَمْ يَتَعَالَجْ مَعَهُ مَاتَ،
_________________
(١) الاعْتِصَامُ (١/ ٥٠١)، وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁؛ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي؛ فَقَالَ: (غَفَرَ لَكَ)، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي؛ فَقَالَ: (لَا غَفَرَ اللهُ لَكَ وَلَا لِذَاكَ؛ أَنَبِيٌّ أَنَا؟!)، فَهَذَا أَوضَحَ فِي أَنَّهُ فَهِمَ مِنَ السَّائِلِ أَمْرًا زَائِدًا؛ وَهُوَ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِثْلُ النَّبِيِّ! أَو أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى أَنْ يُعْتَقَدَ ذَلِكَ، أَو يُعْتَقَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ تَلْزَمُ! أَو يَجْرِي فِي النَّاسِ مَجْرَى السُّنَنِ المُلْتَزَمَةِ! وَذَلِكَ يُخْرِجُ المَشْرُوعَ عَنْ كَونِهِ مَشْرُوعًا، وَيُؤَدِّي إِلَى التَّشيُّعِ وَاعْتِقَادِ أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيهِ، وَقَدْ تَبيَّنَ هَذَا المَعْنَى بِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَونٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ؛ فَقَالَ: يَا أَبَا عِمْرَانَ! اُدْعُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَنِي، فَكَرِهَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَقَطَبَ، وَقَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى حُذَيفَةَ فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَقَالَ: (لَا غَفَرَ اللهُ لَكَ). فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَلَسَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: (فَأَدْخَلَكَ اللهُ مُدْخَلَ حُذَيفَةَ، أَقَدْ رَضِيتَ؟) وَهَذِهِ الآثَارُ مِنْ تَخْرِيجِ الطَّبَرِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ".
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٨/ ١٢).
[ ١ / ٦٦ ]
وَالعِلَاجُ المُعْتَادُ تَحْصُلُ مَعَهُ الحَيَاةُ كَالتَّغْذِيَةِ لِلضَّعِيفِ وَكَاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ أَحْيَانًا" (^١).
- فَائِدَة ٥: حَدِيثُ دُخُولِ السَّبْعِينَ أَلْفًا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرْتَبَتَهُم أَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ غَيرِهِم مُطْلَقًا، وَذَلِكَ لِمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ رِفَاعَةَ الجُهَنِيِّ قَالَ: صَدَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤْمِنُ ثُمَّ يُسَدِّدُ إِلَّا سُلِكَ بِهِ فِي الجَنَّةِ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ حَتَّى تَبَوَّؤُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ذُرِّيَاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الجَنَّةِ، وَلَقَدْ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيرِ حِسَابٍ» (^٢). وَالشَّاهِدُ مِنْهُ هُوَ فِي قَولِهِ: «أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ حَتَّى تَبَوَّؤُوا أَنْتُمْ» فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَنْزِلَةَ الصَّحَابَةِ فَوقَ مَنْزِلَةِ أُولَئِكَ مُطْلَقًا.
- فَائِدَة ٦: مَعْنَى (لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةٍ): أَي: لَا رُقْيَةَ أَشْفَى وَأَولَى مِنْ رُقْيَةِ العَينِ وَالحُمَةِ. نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الخَطَّابِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَكَذَا قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (شَرْحُ السُّنَّةِ) (^٣).
- فَائِدَة ٧: قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ فِي قَولِهِ: (فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُوسَى) صَوَابُهُ: (كَثْرَةُ) (^٤).
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "التَّدَاوِي عَلَى أَقْسَامٍ: فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَفْعُ الدَّوَاءِ -مَعَ احْتِمَالِ الهَلَاكِ بِتَرْكِهِ- فَالتَّدَاوِي وَاجِبٌ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَفْعُ الدَّوَاءِ -وَلكِنْ لَيسَ هُنَاكَ احْتِمَالٌ لِلْهَلَاكِ بِتَرْكِ الدَّوَاءِ- فَالتَّدَاوِي أَفْضَلُ. وَإِنْ تَسَاوَى الأَمْرَانِ؛ فَتَرْكُ التَّدَاوِي أَفْضَلُ". اُنْظُرْ مَجْمُوعَ فَتَاوَى الشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀ (١٣/ ١٧).
(٢) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٢٨٥). الصَّحِيحَة (٢٤٠٥). وَقَوْلُهُ (صَدَرْنَا)؛ أَي: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوٍ أَوْ سَفَرٍ.
(٣) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٣/ ٩٣)، شَرْحُ السُّنَّةِ لِلبَغَوِيِّ (١٢/ ١٦٢).
(٤) القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٠٨).
[ ١ / ٦٧ ]
- فَائِدَة ٨: وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (^١) زِيَادَةُ لَفْظِ: «لَمَّا أُسْرِيَ» -فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا- وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ سَنَدًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، وَكَذَا الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى (^٢).
- فَائِدَة ٩: لَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا فِي طَلَبِ الرُّقْيَةِ لِلغَيرِ -وَلِيسَ للنَّفْسِ- وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ؛ فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (^٣).
- فَائِدَة ١٠: الرُّقيةُ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ -وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً- وَلَكِنَّهَا تَزيدُ عَلَى غَيرِهَا بِأنَّهَا عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهَا (^٤)، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (^٥) (^٦).
- فَائِدَة ١١: فِي بَيَانِ سَبَبِ كَرَاهَةِ طَلَبِ الرُّقيَةِ والاكْتِوَاءِ:
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ عِنْدَ حَدِيثِ «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» (^٧): "قُلْتُ: وَفِيهِ كَرَاهَةُ الاكْتِوَاءِ وَالاسْتِرْقَاءِ، أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ.
_________________
(١) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٢٤٤٦). صَحِيحُ وَضَعِيفُ سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٢٤٤٦).
(٢) فَتْحُ البَارِي (١١/ ٤٠٧)، وَالإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ لِلأَلْبَانِيُّ (ص ٨٤).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٧٣٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط ٦٢٨) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٤) انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط ٦٢٨) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٥) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٦) أَمَّا قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ "الرُّخْصَةُ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ"؛ فَالوَاقِعُ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنَ الرُّقْيَةِ عَامَّةٌ وَلَيسَتْ مِنَ العَينِ وَالحُمَةِ فَقَط. مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ فَتْحُ المَجِيدِ شَرِيطُ رَقَم (١٨) شَرْحُ البَابِ.
(٧) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٠٥٥) عَنِ المُغِيرةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٤٤).
[ ١ / ٦٨ ]
وَأَمَّا الآخَرُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الاحْتِيَاجِ إِلَى الغَيرِ فِيمَا الفَائِدَةُ فِيهِ مَظْنُونَةٌ غَيرُ رَاجِحَةٍ" (^١).
- فَائِدَة ١٢: وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ زِيَادَةُ لَفْظِ: «وَلَا يَرْقُونَ» (^٢)، وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ سَنَدًا وَمَتْنًا.
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ: "وَلَا يَخْدُجُ فِيمَا ذَكَرْتُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمْسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عبَّاسٍ المُشَارِ إِلَيهِ آنِفًا مِنَ الجَمْعِ بَينَ: «لَا يَرْقُونَ» وَ«لَا يَسْتَرْقُونَ»! فَإِنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، أَخْطَأَ فِيهَا أَحَدُ رُوَاتِهِ عِنْدَهُ؛ فَغيَّرَ الحَدِيثَ فَزَادَ وَأَنْقَصَ، زَادَ «لَا يَرْقُونَ» وَأَسْقَطَ «لَا يَكْتَوُونَ»!! خِلَافًا لِرِوَايَةِ الجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِينَ رَوُوهُ بِلَفْظِ: «لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ».
وَإِنَّ مِمَّا يُؤَكِّدُ الشُّذُوذَ المَذْكُورَ مُخَالَفَتُهُ لِسَائِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي البَابِ مِثْلَ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي عَوَانَةَ وَغَيرِهِمَا؛ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ وَغَيرِهِ؛ فَلَيسَ فِيهِمَا الجَمْعُ بَينَ اللَّفْظَينِ المَذْكُورَينِ، بَلْ إِنَّهُمَا وُفْقَ حَدِيثِ ابْنِ عبَّاسٍ عِنْدَ الجَمَاعَةِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ يُؤَكِّدُ شُذُوذَ لَفْظِ «لَا يَرْقُونَ» مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلسُّنَّةِ العَمَلِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ" (^٣).
وَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي صَحِيح الجَامِعِ: "قَولُهُ «لَا يَرْقُونَ» هُوَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ دُونَ البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ، ثُمَّ هُوَ شَاذٌّ سَنَدًا وَمَتْنًا -كَمَا بيَّنْتُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ- وَحَسْبُكَ دَلِيلًا عَلَى شُذُوذِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَقَى غَيرَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ! " (^٤).
وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ «كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ»، وَكَانَ يَرْقِي مَنْ بِهِ قُرْحَةٌ
_________________
(١) السِّلْسِلَةُ الصَّحِيحَة (٢٤٤)، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فِي بَابِ الكَلَامِ عَنِ التَّوَكُّلِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.
(٢) مُسْلِمٌ (٢٢٠).
(٣) الضَّعِيفَةُ (٣٦٩٠).
(٤) صَحِيح الجَامِعِ (٣٩٩٩).
[ ١ / ٦٩ ]
أَو جُرْحٌ أَو شَكْوَى؛ فَيَضَعُ سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ يَرْفَعُهَا وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا؛ بِرِيقَةِ بَعْضِنَا؛ يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» هَذَا فِي الصَّحِيحَينِ، وَهُوَ يُبْطِلُ اللَّفْظَةَ الَّتِي جَاءَتْ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَأَنَّهُمْ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ! فَقَولُهُ فِي الحَدِيثِ «لَا يَرْقَونَ» غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي، سَمِعْت شَيخَ الإِسْلَامِ ابْنَ تَيمِيَّةَ يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: وَإِنَّمَا الحَدِيثُ «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ». قُلْتُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ دَخَلُوا الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ، قَالَ: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَلِكَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَسُكُونِهِمْ إلَيهِ وَثِقَتِهِمْ بِهِ وَرِضَاهُمْ عَنْهُ وَإِنْزَالِ حَوَائِجِهِمْ بِهِ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ شَيئًا -لَا رُقْيَةً وَلَا غَيرَهَا-، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ طِيَرَةٌ تَصُدُّهُمْ عَمَّا يَقْصِدُونَهُ، فَإِنَّ الطِّيَرَةَ تُنْقِصُ التَّوحِيدَ وَتُضْعِفُهُ. قَالَ: وَالرَّاقِي مُتَصَدِّقٌ مُحْسِنٌ، وَالمُسْتَرْقِي سَائِلٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ رَقَى وَلَمْ يَسْتَرْقِ، وَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ؛ فَلْيَنْفَعْهُ» " (^١).
ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ «لَا يَرْقُونَ» -إِنْ صَحَّتْ- فَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الرُّقَى الشِّرْكيَّةِ كَمَا وجَّهَ بِذَلِكَ الحَدِيثَ النَّوَوِيُّ وَالعَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَالأَرْجَحُ مَا أَثْبَتْنَاهُ -كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا- وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
- إِيرَادٌ وَجَوَابُهُ:
قَالَ الشَّيخُ سُلَيمَانُ بْنُ عَبدِ اللهِ ﵀ بَعْدَ ذِكْرِ جُمْلَةِ كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ وَشَيخِ الإِسْلَامِ ﵏ جَمِيعًا: "وَلَكِنِ اعْتَرَضَهُ بَعْضُهُم (^٢) بِأَنْ قَالَ: (تَغْلِيطُ الرَّاوِي مَعْ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيَادَةِ لَا يُصَارُ إِلَيهِ، وَالمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوجُودٌ فِي المُسْتَرْقِي! لِأَنَّهُ اِعْتَلَّ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنْ غَيرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوَكُّلِ؛ فَكَذَا يُقَالُ: وَالَّذِي
_________________
(١) زَادُ المَعَادِ (١/ ٤٧٦). قُلْتُ: وَحَدِيثُ «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢١٩٩) عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا.
(٢) قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، كَمَا فِي الفَتْحِ (١١/ ٤٠٨).
[ ١ / ٧٠ ]
يَفْعَلُ بِهِ غَيرُهُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْهُ لِأَجْلِ تَمَامِ التَّوَكُّلِ، وَلَيسَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ دِلَالَةٌ عَلَى المُدَّعَى، وَلَا فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَيضًا دِلَالَةٌ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَتَبْيِينِ الأَحْكَامِ)! كَذَا قَالَ هَذَا القَائِلُ.
وَهُوَ خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا إِلَّا بِحَمْلِهَا عَلَى وُجُوهٍ لَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَيهَا! كَقَولِ بَعْضِهِم: المُرَادُ «لَا يَرْقُونَ» بِمَا كَانَ شِرْكًا أَوِ احْتَمَلَهُ! فَإِنَّهُ لَيسَ فِي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَصْلًا!
وَأَيضًا؛ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لِلْسَبْعِينَ مَزِيَةٌ عَلَى غَيرِهِم؛ فَإِنَّ جُمْلَةَ المُؤْمِنِينَ لَا يَرْقُونَ بِمَا كَانَ شِرْكًا!
الثَّانِي: قَولُهُ: فَكَذَا يُقَالُ … إِلخ. لَا يَصِحُّ هَذَا القِيَاسُ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ القِيَاسِ، وَكَيفَ يُقَاسُ مَنْ سَأَلَ وَطَلَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ؟! مَعْ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الفَارِقِ الشَّرْعِيِّ، فَهُوَ فَاسِدُ الاعْتِبَارِ لِأَنَّهُ تَسْوِيَةٌ بَينَ مَا فَرَّقَ الشَّارِعُ بَينَهُمَا بِقَولِهِ: «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ أَيضًا.
وَكَيفَ يُجْعَلُ تَرْكُ الإِحْسَانِ إِلَى الخَلْقِ سَبَبًا لِلْسَبْقِ إِلَى الجِنَانِ؟! وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ رَقَى أَوْ رُقِيَ مِنْ غَيرِ سُؤَالٍ؛ فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ مُتَوَكِّلًا فِي تِلْكَ الحَالِ!
الثَّالِثُ: قَولُهُ: (لَيسَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ … إِلَخ؛ كَلَامٌ غَيرُ صَحِيحٍ، بَلْ هُمَا سَيِّدَا المُتَوَكِّلِينَ؛ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ؛ فَاعْلَمْ ذَلِكَ" (^١).
_________________
(١) تَيسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ (ص ٨٢).
[ ١ / ٧١ ]