- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ وَلِمَا قَبْلَهُ مِنَ الأَبْوَابِ؛ هُوَ التَّخْوِيفُ مِنْ تَرْكِ التَّوحِيدِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّرْغِيبِ فِي التَّوحِيدِ، فَيَكُونُ الأَمْرُ بِالتَّوحِيدِ قَدْ جَاءَ مِنْ جِهَةِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
- أَورَدَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي البَابِ وَجْهَانِ لِلخَوفِ مِنَ الشِّرْكِ؛ هُمَا:
١ - أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَدًا.
٢ - أَنَّ الشِّرْكَ مِنْهُ شِرْكٌ أَصْغَرُ يَعْرِضُ لِلمُسْلِمِ فِي عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ؛ وَقَدْ لَا يَشْعُرُ بِهِ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أَي: لَا يَغْفِرُ لِعَبْدٍ لَقِيَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أَي: مِنَ الذُّنُوبِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ (^١).
وَلَكِنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوبَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٣٨].
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ بَيَانُ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَدًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ وَالأَصْغَرُ، وَلَكِنَّ الأَكْبَرَ يَتَمَيَّزُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَهُ يَبْقَى يُعذَّبُ بِهِ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا، وَذَلِكَ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائِدَة: ٧٢].
_________________
(١) أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِير ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٣٢٥).
[ ١ / ٧٦ ]
أَمَّا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ فَهُوَ -وَإِنْ كَانَ لَا يُغْفَرُ- فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُعَذَّبُ عَلَيهِ بِقَدْرِهِ -لِأَنَّ أَصْلَ التَّوحِيدِ مَعَهُ-؛ فَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ -وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا-، وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ نَفَعَتْهُ يَومًا مِنْ دَهْرِهِ، يُصِيبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ» (^١).
- فِي الآيَةِ رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ -المُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ-؛ وَعَلَى المُعْتَزِلَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ أَصْحَابَ الكَبَائِرِ يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ؛ وَلَيسُوا عِنْدَهُم بِمُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارَ! وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ مَا سِوَى الشِّرْكِ تَحْتَ المَشِيئَةِ؛ فَهُوَ قَابِلٌ لِلمَغْفِرَةِ -خِلَافًا لِمَذْهَبِهِم-.
- الصَّنَمُ: هُوَ مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ -أَي: ذِي رُوحٍ-، أَمَّا مَا عُبِدَ وَهُوَ عَلَى غَيرِ صُورَةِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرِ وَالحَجَرِ وَالقَبْرِ فَهَذَا يُسَمَّى وَثَنًا، فَالوَثَنُ أَعَمُّ مِنَ الصَّنَمِ لِأَنَّ الصَّنَمَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى التِّمْثَالِ، وَأَمَّا الوَثَنُ فَيُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ وَغَيرِهِ، فَالقَبْرُ يَكُونُ وَثَنًا إِذَا عُبِدَ، قَالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَومًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَاءِهِم مَسَاجِدَ» (^٢)، فَالوَثَنُ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ عَلَى أَيِّ شَكْلٍ كَانَ (^٣).
- فِي دُعَاءِ الخَلِيلِ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَةَ الأَصْنَامِ؛ بَيَانُ عِظَمِ الشِّرْكِ -وَقَدْ
_________________
(١) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (١٥/ ٦٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٤٣٤).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٧٣٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ٢١٦).
(٣) فَالصَّنَمُ مَا كَانَ مَنْحُوتًا عَلَى صُورَةٍ، وَالوَثَنُ مَا كَانَ مَوضُوعًا عَلَى غَيرِ ذَلِكَ. اُنْظُرْ تَفْسِيرَ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ١٧). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٣٠) -فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ-: "وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصَوَّرَةٍ كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ-، وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصَوَّرَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ".
[ ١ / ٧٧ ]
عَلِمْتَ أًنَّهُ كَانَ إِمَامًا لِلنَّاسِ ﵇، وَكَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيمِيُّ (^١): "مَنْ يَأْمَنُ البَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ! "،
وَأَيضًا قَولُهُ ﵊: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» (^٢) وَالكَافُ فِيهِ لِلخِطَابِ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ أَوَّلِيًّا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُم،
وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيكُمْ مِنَ المَسِيحِ عِنْدِي؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «الشِّرْكُ الخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكَانِ رَجُلٍ» (^٣).
فَفِي هَذِهِ الأَدِلَّةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ هَوَّنَ مِنْ أَمْرِ الشِّرْكِ -فِي هَذَا الزَّمَنِ- وَاسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ! فَلَا يَأْمَنُ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَقَدْ عَقَدَ المُصَنِّفُ ﵀ بَابًا خَاصًّا لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ وَسَمَّاهُ "بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ".
- الرِّيَاءُ نَوعَانِ: رِيَاءُ المُنَافِقِ، وَرِيَاءُ المُسْلِمِ -أَي الَّذِي قَدْ يَصْدُرُ مِنَ المُسْلِمِ-:
١ - رِيَاءُ المُنَافِقِ: هُوَ رِيَاءٌ فِي أَصْلِ الدِّينِ، يَعْنِي أَظْهَرَ الإِسْلَامَ وَأَبْطَنَ الكُفْرَ، قَالَ تَعَالَى عَنِ المُنَافِقِينَ: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤٢].
٢ - رِيَاءُ المُسْلِمِ: لَا يَكُونُ فِي أَصْلِ تَدَيُّنِهِ، وَذَلِكَ كَمَا لَو حَسَّنَ الرَّجُلُ صَلَاتَهَ
_________________
(١) مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، (ت ١١٠ هـ).
(٢) وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيمَةَ (٩٣٧) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي؛ فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ». حَسَنٌ. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ (٣١).
(٣) حَسَنٌ. أَحْمَدُ (١١٢٥٢) عَنْ أَبِي سَعِيد الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٧)، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ بِتَفْصِيلٍ أَكْثَرَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي "بَابِ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ".
[ ١ / ٧٨ ]
أَمَامَ النَّاسِ لِطَلَبِ جَاهٍ أَو ذِكْرٍ حَسَنٍ بَينَ النَّاسِ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ مِثْلَ يَسِيرِ الرِّيَاءِ، أَمَّا الرِّيَاءُ الكَامِلُ فَهُوَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ المُنَافِقِ (^١).
- الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: هُوَ جَمِيعُ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الشِّرْكِ، كَالغُلُوِّ فِي المَخْلُوقِ -بِحَيثُ لَا يَصِلُ هَذَا الغُلُوُّ إِلَى رُتْبَةِ العِبَادَةِ (^٢) -، وَكَالحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ، وَيَسِيرِ الرِّيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ بِقَيدِ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ قَدْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ شِرْكٌ، فَلَيسَ كُلُّ ذَرِيعَةٍ إِلَى الشَّرْكِ تَكُونُ شِرْكًا؛ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ كَبِيرَةً مِنَ الكَبَائِرِ فِي نَفْسِهَا!
- الرِّيَاءُ فِي الحَدِيثِ جَاءَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الحَصْرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الغَالِبُ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ التَّصَنُّعُ لِيُسْمَعَ عَنْهُ فَهُوَ سُمْعَةٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّيَاءِ أَيضًا، كَمَا فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣).
- قَولُهُ: (وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا) (^٤): الدُّعَاءُ نَوعَانِ:
١ - دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كَالصَّومِ وَالصَّلَاةِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ العِبَادَاتِ.
وَسُمِّيَ دُعَاءً لِأَنَّهُ دَاعٍ بِلِسَانِ حَالِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الجَنَّةَ وَالبُعْدَ عَنِ النَّارِ؛ فَإِنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى أَعْمَالِ الطَّاعَةِ للهِ؛ فَهُوَ دَاعٍ فِي الجُمْلَةِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجِنّ: ١٨]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (١/ ٣٥٢).
(٢) يُنْظَرُ: (القَولُ السَّدِيدُ) لِلسَّعْدِيِّ (ص ٥٤).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٤٩٩)، وَمُسْلِمٌ (٢٩٨٦).
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٤٩٧)، وَتَمَامُهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً؛ وَقُلْتُ أُخْرَى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ»، وَقُلْتُ أَنَا: (مَنْ مَاتَ وَهْوَ لَا يَدْعُو لِلَّهِ نِدًّا دَخَلَ الجَنَّةَ).
[ ١ / ٧٩ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الدُّعَاءَ عِبَادَةً، وَهَذَا النَّوعُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ المَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُنَا.
وَهُنَا مَلْحَظٌ لَطِيفٌ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ "كَنَّى بِالدُّعَاءِ عَنِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا دَعَاهُ عِنْدَ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ" (^١)، "وَمَا أَنْسَبَ التَّعْبِيرَ لِعُبَّادِ الأَوثَانِ عَنِ العِبَادَةِ بِالدُّعَاءِ: إِشَارَةً إِلَى أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لَا يُدْعَى فِي الضَرُورَاتِ فَيَسْمَعُ؛ فَعَابِدُهُ أَجْهَلُ الجَهَلَةِ" (^٢).
وَمِصْدَاقُهُ فِي إِنْكَارِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ عَلَى وَالِدِهِ الشِّرْكَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ [مَرْيَم: ٤٢].
٢ - دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: أَي: يَدْعُو سَائِلًا بِلِسَانِهِ، وَهَذَا النَّوعُ فِيهِ تَفْصِيلٌ مِنْ حَيثُ كَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا قَادِرًا (^٣)، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «مَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» (^٤) فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَكَمَا فِي الحَدِيثِ «يَا قَبِيصَةُ؛ إِنَّ المَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ» (^٥) فِي سُؤَالِ الصَّدَقَةِ؛ فَهَذَا جَائِزٌ، بِخِلَافِ مَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا أَوْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا دُعِيَ بِهِ -مِمَّا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أَصْلًا-؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ شِرْكًا، قال تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].
_________________
(١) البَحْرُ المُحِيطُ (٤/ ٦٨).
(٢) نَظْمُ الدُّرَرِ (٥/ ٤٠٤).
(٣) قُلْتُ: مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى كَونِ دُعَاءِ المَدْعُوِّ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الأَسْبَابِ؛ وَأَنَّ النَّفْعَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
(٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (١٦٧٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَة (٢٥٤).
(٥) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠٤٤) مِنْ حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخارِقٍ مَرْفُوعًا.
[ ١ / ٨٠ ]
- فَائِدَة ١: قَدْ أَورَدَ بَعْضُهُم هُنَا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: «وَإِنِّي -وَاللهِ- مَا أَخَافُ علَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي؛ وَلَكِنِّي أَخَافُ علَيكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا» (^١) فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الخَوفِ مِنَ الوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ؛ وَإِنَّمَا فَقَط مِنَ التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا!! وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّوجِيهُ، وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ فِي قَولِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (^٢): "قَولُهُ: «وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِيِ» أَي: عَلَى مَجْمُوعِكُم؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنَ البَعْضِ -أَعَاذَنَا اللهُ تَعَالَى-" (^٣).
- فَائِدَة ٢: فِي التَّخلُّصِ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوعَيهِ: الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ:
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟»، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ» (^٤).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٣٤٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٦) مِنْ حَدِيثِ عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا.
(٢) فَتْحُ البَارِي (٣/ ٢١١).
(٣) قُلْتُ: وَيَدُلُّ أَيضًا لِذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ (٢٩٠٧) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التَّوبَة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيرَ فيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم». وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ -إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي بَابِ مَا جَاءَ أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوثَانَ.
(٤) صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٧١٦). صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٥٥٤).
[ ١ / ٨١ ]
- فَائِدَة ٣: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ-بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ- (^١): "فَأَمَّا دُخُولُ المُشْرِكِ النَّارَ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَيَدْخُلُهَا وَيَخْلُدُ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَينَ (الكِتَابِيِّ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ) وَبَينَ (عَبَدَةِ الأَوثَانِ وَسَائِرِ الكَفَرَةِ)، وَلَا فَرْق عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ بَينَ (الكَافِر عِنَادًا وَغَيرهِ) وَلَا بَين (مَنْ خَالَفَ مِلَّة الإِسْلَامِ) وَبَينَ (مَنِ انْتَسَبَ إِلَيهَا؛ ثُمَّ حُكِمَ بِكُفْرِهِ بِجَحْدِهِ مَا يَكْفُر بِجَحْدِهِ وَغَيرِ ذَلِكَ). وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ مَاتَ غَيرَ مُشْرِكٍ الجَنَّةَ؛ فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَهُ بِهِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ (صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيهَا) دَخَلَ الجَنَّةَ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَ (صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيهَا) فَهُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَإِلَّا عُذِّبَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ وَخُلِّدَ فِي الجَنَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" (^٢).
- فَائِدَة ٤: قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ: "فِيهِ تَفْسِيرُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) كَمَا ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ" يَقْصُدُ بِهِ أَنَّ البُخَارِيِّ ﵀ بَوَّبَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ فِي الصَّحِيحِ: "بَابُ قَولِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥] " فَكَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَهُ مُفَسِّرًا لِلتَّرْجَمَةِ فِي مَعْنَى اتِّخَاذِ الأَنْدَادِ، وَأَنَّ المَحَبَّةَ مَعَ اللهِ هِيَ مِنَ الشِّرْكِ.
_________________
(١) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (٢/ ٩٧).
(٢) هَذِهِ الأَقْوَاسُ الدَّاخِلِيَّةُ وَضَعْتُهَا لِسُهُولَةِ تَمْيِيزِ سِيَاقِ الكَلَامِ، وَلَيسَ فِي النَّصِّ أَيُّ إِدْرَاجٍ خَارِجٍ عَنْهُ.
[ ١ / ٨٢ ]