- فِي الأَبْوَابِ السَّابِقَةِ بَيَانُ أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا عَلِمَ أَهَمِيَّةَ التَّوحِيدِ وَفَضْلَهُ وَضَرُورَةَ الخَوفِ مِنْ تَرْكِهِ لَزِمَ أَنَّ يَعْمَلَ بِهِ، وَفِي هَذَا البَابِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَقْتَصِرَنَّ فِي الخَيرِ عَلَى نَفْسِهِ؛ بَلْ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيهِ.
وَفِي هَذَا البَابِ أَيضًا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إِيمَانُ العَبْدِ إِلَّا إِذَا دَعَا إِلَى التَّوحِيدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العَصْر: ١ - ٣].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تَنْزِيهٌ للهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ بِهِ (^١).
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرَينِ:
١ - ضَرُورَةُ الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوحِيدِ؛ وَأَنَّهَا سَبِيلُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهَا أَصْلُ الإِسْلَامِ؛ حَيثُ جُعِلَ الإِسْلَامُ مُفَسَّرًا بِهَا فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالشَّيءِ عَنِ الشَّيءِ يَدُلُّ عَلَى رُكْنيَّتِهِ وَأَنَّهُ أَصْلُهُ الأَصِيلُ (^٢).
_________________
(١) وَإِعْرَابُ "سُبْحَانَ": مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "أُسَبِّحُ".
(٢) كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ: «الحَجُّ عَرَفَة». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٧٧٤) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣١٧٢). وَحَدِيثِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٥٥) عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَرْفُوعًا. وَحَدِيثِ (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ). صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
[ ١ / ٨٨ ]
٢ - التَّنْبِيهُ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ وَذَلِكَ فِي أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي دَعْوَتِهِ هُوَ لِابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ فِعْلُهُ قَولَهُ (^١).
- قَولُهُ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ البَصِيرَةُ هِيَ العِلْمُ، فَالبَصِيرَةُ لِلقَلْبِ كَالبَصَرِ لِلعَينِ، يُبْصِرُ بِهَا الحَقَائِقَ.
- قَولُهُ: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ سَبِيلَ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ الدَّعْوَةُ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى بَيِّنَةٍ فِي دِينِهِم، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدَّاعِيَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ؛ أَي: عَلَى عِلْمٍ بِمَا يَدْعُو إِلَيهِ، أَمَّا الجَاهِلُ فَلَا يَصْلُحُ لِلدَّعْوَةِ (^٢).
- فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بَيَانُ أَنَّ عَلَى الدَّاعِيَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يَتَبَيَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ فِي دَعْوَتِهِ:
١ - حَالَ المَدْعُوِّ: فَالَّذِينَ قُصِدُوا هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَمَا عِنْدَهُم لَيسَ كَمَا عِنْدَ الوَثَنَيينَ! فلَزِمَ تَهَيُّؤُ النَّفْسِ لِشُبَهِهِم وَمَقَالَاتِهِم.
٢ - طَرِيقَةَ الدَّعْوَةِ: وَهِيَ التَدَرُّجَ فِي الدَّعْوَةِ بِحَسْبِ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ؛ وَأَنْ لَا يُنْتَقَلَ مِنْ أَمْرٍ إِلَى آخَرَ إِلَّا بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ الأَوَّلِ.
٣ - مَادَّةَ الدَّعْوَةِ: وَهِيَ التَّوحِيدُ فِي الأَوَّلِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الزَّكَاةُ.
_________________
(١) وَلِهَذَا قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي مَسَائِلِ هَذَا البَابِ: فِي قَولِهِ: (إِلَى اللهِ): تَنْبِيهٌ عَلَى الإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّ كَثِيرِينَ -وَإِنْ دَعَوا إِلَى الحَقِّ- فَإِنَّمَا يَدْعُونَ إِلَى أَنْفُسِهِم! أَي مِنْ جِهَةِ الرِّيَاءِ.
(٢) وَلَا يَخْفَى أَنَّ المُتَصَدِّرَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرُوطٍ أُخَرَ؛ لَيسَ هَذَا مَوضِعُ ذِكْرِهَا. وَهَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيئًا مِنَ الحَقِّ أَنَّهُ لَا يُبَلِّغُهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ! وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَةً» رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤٦١) عَنِ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا، وَلَكِنَّ الكَلَامَ فِي الدُّعَاةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الدَّعْوَةَ مَيدَانَهُم وَهَمَّهُم وَتَصَدَّرُوا لَهَا.
[ ١ / ٨٩ ]
- قَولُهُ: (بَاتَ): البَيتُوتَةُ: هِيَ المُكْثُ فِي اللَّيلِ -سَوَاءً كَانَ مَعَهُ نَومٌ أَو لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَومٌ-.
- قَولُهُ: «اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ» "الرِّسْلُ" -بِالكَسْرِ- الرِّفْقُ وَالتُّؤَدَةُ (^١)، وَالمَعْنَى هُنَا: امْشِ هُوَينًا هُوَينًا، لِأَنَّ المَقَامَ خَطِيرٌ وَيُخْشَى مِنْ مَكْرِ العَدُوِ، فَاليَهُودُ خُبَثَاءُ أَهْلُ غَدْرٍ (^٢).
- قَولُهُ: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا» لَمْ يقل: لَأنْ تَهْدِي! لِأَنَّ الَّذِي يَهْدِي هُوَ اللهُ ﵎ (^٣)، وَالمُرَادُ بِالهِدَايَةِ هُنَا هِدَايَةُ التَّوفِيقِ وَالقَبُولِ.
- قَولُهُ: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنٍ حُمْرِ النَّعَمِ» يُشِيرُ فِيهِ إِلَى عَدَمِ اليَأْسِ مِنْ قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ، وَكَمَا سَبَقَ فِي الحَدِيثِ «فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَلَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ».
- قَولُهُ: «حُمْرِ النَّعَمِ» -بِتَسْكِينِ المِيمِ-: جَمْعُ أَحْمَرَ، وَبِالضَّمِّ: جَمْعُ حِمَارٍ، وَالمُرَادُ الأَوَّلُ، وَهِيَ الإِبِلُ الحَمْرَاءُ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ أَمْوَالِ العَرَبِ.
- قَولُهُ: «يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ» فِيهِ إِثْبَاتُ المَحَبَّةِ للهِ مِنَ الجَانِبَينِ، أَي: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ ويُحَبُّ.
_________________
(١) القَامُوسُ المُحِيطِ (ص ١٠٠٥).
(٢) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الهُدُوءِ فِي الجِهَادِ، وَتَرْكِ العَجَلَةِ وَرَفْعِ الأَصْوَاتِ، وَيَدُلُّ أَيضًا عَلَى الثَّبَاتِ وَالشَّجَاعَةِ وَالتَّدَبُّرِ فِي الأَمْرِ، بِخِلَافِ الطَّيشِ وَالرَّكْضِ وَرَفْعِ الأَصْوَاتِ! فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الجُبْنِ وَعَدَمِ الثَّبَاتِ.
(٣) وَأَمَّا الهِدَايَةُ الَّتِي تَصِحُّ نِسْبَتُها إِلَى البَشَرِ فَهِيَ هِدَايَةُ الدِّلَالَةِ وَالإِرْشَادِ، وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخَرُ مِنَ الهِدَايَةِ سَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهَا فِي مَوضِعِهَا مِنْ هَذَا الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
[ ١ / ٩٠ ]
وَقَدْ أنكرَ هَذَا أَهْلُ التَّعْطِيلِ، وَقَالُوا: المُرَادُ بِمَحَبَّةِ اللهِ لِلعَبْدِ إِثَابَتُهُ أَو إِرَادَةُ إِثَابَتِهِ! وَأَنَّ المُرَادَ بِمَحَبَّةِ العَبْدِ للهِ مَحَبَّةُ ثَوَابِهِ! وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، عَدَا عَنْ مُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الهُدَى مِنْ بَعْدِهِم (^١)، فَمَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى ثَابِتَةٌ لَهُ حَقِيقَةً وَهِيَ مِنْ صِفَاتِهِ الفِعْلِيَّةِ (^٢).
_________________
(١) قُلْتُ: وَسَبَبُ كَونِهَا مُخَالِفَةً لِلإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَمْ يُنقلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلفِ أَبَدًا تَأْوِيلُ مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى بِالثَّوَابِ أَو بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ، فَمَنْ قَالَ بِذَلِكَ طَالَبْنَاهُ بِالدَّلِيلِ.
(٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ -وَغَفَرَ لَهُ- فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (٦/ ٩٥): "قَولُهُ ﷺ فِي الَّذِي قَالَ فِي ﴿قُل؟ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ»، قَالَ المَازِرِيُّ: مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ؛ إِرَادَةُ ثَوَابِهِم وَتَنْعِيمِهِم، وَقِيلَ: مَحَبَّتُهُ لَهُم نَفْسُ الإِثَابَةِ وَالتَّنْعِيمِ لَا الإِرَادَة. قَالَ القَاضِي: وَأَمَّا مَحَبَّتُهُم لَهُ سُبْحَانَهُ فَلَا يَبْعُدُ فِيهَا المَيلُ مِنْهُم إِلَيهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ مُتَقَدِّسٌ عَنِ المَيلِ. قَالَ: وَقِيلَ: مَحَبَّتُهُم لَهُ اسْتِقَامَتُهُم عَلَى طَاعَتِهِ، وَقِيلَ: الاسْتِقَامَةُ ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ. وَحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ لَهُ: مَيلُهُم إِلَيهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ ﷾ المَحَبَّةَ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا". كَذَا نَقَلَ!! غَفَرَ اللهُ لَهُ. قُلْتُ: قَالَ ابٍنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيِّ ﵀ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٢٩٤): "قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النِّسَاء: ١٦٤]. الخِلَّةُ: كَمَالُ المَحَبَّةِ، وَأَنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ مِنَ الجَانِبَينِ زَعْمًا مِنْهُم أَنَّ المَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمُنَاسَبَةٍ بَينَ المُحِبِّ وَالمَحْبُوبِ؛ وَأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَينَ القَدِيمِ وَالمُحْدَثِ تُوجِبُ المَحَبَّةَ! وَكَذَلِكَ أَنْكَرُوا حَقِيقَةَ التَّكْلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ أوَّلَ مَنِ ابْتَدَعَ هَذَا فِي الإِسْلَامِ هُوَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ فِي أَوَائِلِ المَائَةِ الثَّانِيَةِ، فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَسْرِيُّ -أَمِيرُ العِرَاقِ وَالمَشْرِقِ بِوَاسِطٍ-، خَطَبَ النَّاسَ يَومَ الأَضْحَى فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا -تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُم-؛ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَم، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا! ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِفَتْوَى أَهْلِ زَمَانِهِ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ ﵃؛ فَجَزَاهُ اللهُ عَنِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ خَيرًا. وَأَخَذَ هَذَا المَذْهَبَ عَنِ الجَعْدِ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، فَأَظْهَرَهُ وَنَاظَرَ عَلَيهِ، وَإِلَيهِ أُضِيفَ قَولُ الجَهْمِيَّةِ، فَقَتَلَهُ سَلَمُ بْنُ أَحْوَز -أَمِيرُ خُرَاسَانَ بِهَا-، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ إِلَى المُعْتَزِلَةِ -أَتْبَاعِ عَمْرو بْنِ عُبَيدٍ-، وَظَهَرَ قَولُهُم فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ المَأْمُونِ حَتَّى امْتُحِنَ أَئِمَّةُ الإِسْلَامِ، وَدَعَوهُم إِلَى المُوَافَقَةِ لَهُم عَلَى ذَلِكَ. =
[ ١ / ٩١ ]
- فِي حَدِيثِ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى اليَمَنِ بَيَانُ صِحَّةِ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَرْسَلَ مُعَاذًا وَحْدَهُ مُبَلِّغًا لِلإِسْلَامِ؛ بَلْ وَلِأَصْلِ الإِسْلَامِ وَهُوَ عَقِيدَةُ التَّوحِيدِ، ثُمَّ مَا يَأْتِي بَعْدَهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَمَدُ خَبَرُ الوَاحِدِ فِي العَقَائِدِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ التَّوَاتُرُ كَمَا تَقُولُهُ المُبْتَدِعَةُ (^١).
- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: "أَنَّ مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوحِيدِ كَونُهُ تَنْزِيهًا للهِ عَنِ المَسَبَّةِ" وَذَلِكَ بِكَونِ اتِّخَاذِ الشُّرَكَاءِ مَعَ اللهِ تَعَالَى هُوَ تَنَقُّصٌ للهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ العَاشِرَةِ: "أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُها؛ أَو يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا": مُرَادُهُ بِقَولِهِ: "لَا يَعْرِفُها أَو يَعْرِفُها" شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ قَولِهِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، إِذْ لَو كَانُوا يَعْرِفُونَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" وَيَعْمَلُونَ بِهَا مَا احْتَاجُوا إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَيهَا رُغْمَ أَنَّهُم أَهْلُ كِتَابٍ وَكَانَ عِنْدَهُم إِيَّاهَا فِيمَا جَاءَ عَنْ رُسُلِهِم.
_________________
(١) = وَأَصْلُ هَذَا مَأْخُوذٌ عَنِ المُشْرِكِينَ وَالصَّابِئَةِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلًا وَمُوسَى كَلِيمًا؛ لِأَنَّ الخِلَّةَ هِيَ كَمَالُ المَحَبَّةِ المُسْتَغْرِقَةِ لِلمُحِبِّ، كَمَا قِيلَ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي .. وَلِذَا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا. وَلَكِنَّ مَحَبَّتَهُ وَخِلَّتَهُ كَمَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى كَسَائِرِ صِفَاتِهِ".
(٢) هُمْ مُبْتدِعَةٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُم أَصَّلُوا أَصْلًا فِي عَقِيدَتِهِم لَيسَ عَلَيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ وَالعَجَبُ مِنْهُم كَيفَ أَنَّهُم يَشْتَرِطُونَ فِي عَقِيدَتِهِم أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى القُرْآنِ وَالحَدِيثِ المُتَوَاتِرِ فَقَط؛ وَهُمْ فِي ذَلِكَ قَدْ أَصَّلُوا أَصْلَهُم هَذَا -الَّذِي جَعَلُوهُ قَاعِدَةَ التَّمْيِيزِ بَينَ مَا يُقْبَلُ وَمَا يُرَدُّ- بِمَا لَمْ يَأْتِ أَصْلًا لَا فِي الكِتَابِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ أَوِ الآحَادِ، وَلَا حَتَّى فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ!! وَقَدْ عَقَدَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الجَلِيلِ (الرِّسَالَةُ) (ص ٤٠١) بَابًا هُوَ "حُجِّيَّةُ تَثْبِيتِ خَبَرِ الوَاحِدِ" وَاحْتَجَّ فِيهِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ.
[ ١ / ٩٢ ]
- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: "كَشْفُ العَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنِ المُتَعَلِّمِ" المُرَادُ بِالشُّبْهَةِ هُنَا: شُبْهَةُ العِلْمِ، وَهِيَ هُنَا الجَهْلُ بِمَصْرِفِ الزَّكَاةِ فِي قَولِهِ: «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَبيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، وَأَنَّ مَصْرِفَهَا الفُقَرَاءُ.
- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: "مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَسَادَةِ الأَولِيَاءِ مِنَ المَشَقَّةِ وَالجُوعِ وَالوَبَاءِ" قَدْ يَكُونَ مُرَادُ المُصَنِّفِ بَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ -وَهُم سَادَةُ الأَولِيَاءِ- قَدْ أَصَابَهُم مِنَ الشِّدَّةِ مَا أَصَابَهُم فِي قِصَّةِ خَيبَرَ؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى سَفَهِ وَضَلَالِ مَنِ اسْتَغَاثَ بِهِم فِي الشَّدَائِدِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الضُّرَّ فكَيفَ يَدْفَعُ عَنْ غَيرِهِ (^١) (^٢)؟!
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٤٢): "الظَّاهِرُ أَنَّ المُؤَلِّفَ ﵀ يُرِيدُ الإِشَارَةَ إِلَى قِصَّةِ خَيبَر، إِذْ وَقَعَ فِيهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ جُوعٌ عَظِيمٌ، حَتَّى أَنَّهُم أَكَلُوا لَحْمَ الحَمِيرِ وَالثُّومِ. وَأَمَّا الوَبَاءُ؛ فَهُوَ مَا وَقَعَ مِنْ رَمَدِ عَينِ عَلِيٍّ ﵁، وَأَمَّا المَشَقَّةُ، فَظَاهِرَةٌ. وَوَجْهُ كَونِ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ: أَنَّ الصَّبْرَ وَالتَّحَمُّلَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ يَدُلُّ عَلَى إِخْلَاصِ الإِنْسَانِ فِي تَوحِيدِهِ وَأَنَّ قَصْدَه اللهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ صَبَرَ عَلَى البَلَاءِ".
(٢) وَبِنَحْوِ هَذِهِ الفَائِدَةِ مَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥]، فَفِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قُبُورَ الصَّالِحِينَ أَوِ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي فِي المَدَائِنِ وَالقُرَى لَا تَدْفَعُ البَلاءَ عَن أَهْلِهَا! لِأَنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أَنَّ فِي بَيتِ المَقْدِسِ -وَمَا حولَه مِن قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ- مَا هُوَ أَكْثَرُ مِن غَيرِهِ مِن جِهَةِ القُبُورِ؛ وَمَع ذَلِكَ لَمَّا غَلَوا وَأَفْسَدُوا عَاقَبَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِم، وَسَلَّطَ عَلَيهِمُ العَدُوَّ الَّذِي جَاسَ خِلَالَ الدِّيَارِ، وَدَخَلَ المَسْجِدَ وَقَتَّلَ فِيهِم مَن لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُم أَحَدٌ مِن قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي كَانَتْ هُنَاكَ! فَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُم وَيَنْصُرُهُم؛ لَا رَازِقَ غَيرُه وَلَا نَاصِرَ إِلَّا هُوَ. يُنْظَرُ: (الإِخْنَائِيَّة) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ١٨٩ - ١٩٣).
[ ١ / ٩٣ ]
وَسَيَمُرُّ هَذَا البَيَانُ بِأَطْوَلَ مِنْهُ وَأَوسَعَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي بَابِ "قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩١] " مِنْ هَذَا الكِتَابِ.
- فِي شَرْحِ المَسْأَلَةِ الثَّلَاثُونَ: "الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا": الفَائِدَةُ مِنَ الحَلِفِ هِيَ تَوكِيدُ الكَلَامِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي الحَلِفُ عَلَى الفُتْيَا إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَفَائِدَةٍ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ [المَائِدَة: ٨٩].
[ ١ / ٩٤ ]