- قَولُهُ: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): "أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ" (^١).
وَقَالَ فِي (لِسَانِ العَرَبِ): " (أَلَهَ) الإلَهُ: اللهُ ﷿، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُونِهِ مَعْبُودًا إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ" (^٢).
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] بَيَانُ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ لِلعُبُودِيَّةِ:
١ - الحُبُّ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (^٣).
٢ - الرَّجَاءُ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾.
٣ - الخَوفُ، وَهُوَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾.
_________________
(١) قَالَهُ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ١٢٤٢).
(٢) لِسَانُ العَرَبِ (١٣/ ٤٦٧).
(٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٧٢٤): "الوَسِيلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيلةُ الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيلَةُ القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]، وَفِي حَدِيثِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ» هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ يَومَ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ -كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ-".
[ ١ / ٩٨ ]
وَفِي الآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تِلْكَ العِبَادَاتِ هِيَ مِمَّا تَلَبَّسَ بِهَا المُشْرِكُونَ تُجَاهَ مَعْبُودِيهِم؛ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهَا للهِ، وَأَنَّ مَعْبُودَاتِهِم أَنْفُسَهُم هُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهَا للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.
وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ تِلْكَ الأُمُورِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى كَونِهَا أَرْكَانًا لِلعُبُودِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالشَّيءِ عَنِ الشَّيءِ يَدُلُّ عَلَى كَونِهِ رُكْنًا فِيهِ.
- أَورَدَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي (صَحِيحِهِ) (^١) فِي كِتَابِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ -بَابُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - عَنْ عَبْدِ اللهِ (^٢) ﵁ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: (كَانَ نَاسٌ مِنَ الجِنِّ يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا) (^٣) (^٤)
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يَدْعُونَ أَي: يَعْبُدُونَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الدُّعَاءَ نَوعَانِ: دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ، وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ (^٥).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦/ ٨٦).
(٢) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁.
(٣) وَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ (٤٧١٤) أَيضًا: (كَانَ نَاسٌ مِنَ الإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنَ الجِنِّ؛ فَأَسْلَمَ الجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِم). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٧): "اسْتَمَرَّ الإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ عَلَى عِبَادَةِ الجِنِّ -وَالجِنُّ لَا يَرْضَونَ بِذَلِكَ لِكَونِهِمْ أَسْلَمُوا- وَهُم الَّذِينَ صَارُوا يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَزَادَ فِيهِ (وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ!)، وَهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ".
(٤) وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (١٧/ ٤٧٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ: أَنَّهَا فِي عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالعُزَير وَالمَلَائِكَةِ، وَهَذَا مِنِ ابْن عَبَّاسٍ -وَمَا سَبَقَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ- هُوَ مِنْ بَابِ تَفْسِيرِ التَّنَوُّعِ.
(٥) هُنَا وَإِنْ كَانَ المَعْنَى العَامُّ أَنَّهُ دُعَاءُ عِبَادَةٍ؛ فَهُوَ أَيضًا مُتَضَمِّنٌ لِدُعَاءِ المَسْأَلَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ». صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٤٣٦) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
[ ١ / ٩٩ ]
- قَولُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ذَكَرَ الفَطْرَ دُونَ غَيرِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِأَنَّه إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ مَنْ فَطَرَ (^١)، أَمَّا مَنْ لَمْ يَفْطِرْ وَلَمْ يَخْلُقْ شَيئًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيئًا مِنَ العِبَادَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الاسْتِدْلَالِ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.
- قَولُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الرَّبُّ هُنَا هُوَ المَعْبُودُ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ المُتَرَادِفَاتِ فِي اللُّغَةِ وَالَّتِي إِذَا اجْتَمَعَت افْتَرَقَتْ؛ وَإِذَا افْتَرَقَت اجْتَمَعَتْ (^٢).
وَدَلَّ لِذَلِكَ أَيضًا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ عِنْدَمَا قَالَ: (إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُم!) وَهَذَا النَّوعُ مِنَ الشِّرْكِ هُنَا هُوَ شِرْكُ الطَّاعَةِ، وَسَيَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (^٣).
وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ بِتَمَامِهِ هُوَ: أَتِيتُ النَّبِيَّ ﷺ -وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ-، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهُم لَمْ يَعْبُدُوهُم! فَقَالَ: «بَلَى، إِنَّهُم حَرَّمُوا عَلَيهِمُ الحَلَالَ وَأَحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ فَاتَّبَعُوهُم؛ فَذَلِكَ عِبَادَتُهُم إِيَّاهُم» (^٤).
_________________
(١) "فَطَرَ اللهُ الخَلْقَ يَفْطُرُهُم: خَلَقَهُمْ وَبَدَأَهُم". لِسَانُ العَرَبِ (٥/ ٥٦).
(٢) كَالإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، وَالفَقِيرِ وَالمِسْكِينِ.
(٣) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٦٠): "وَالشَّيخُ ﵀ جَعَلَ شِرْكَ الطَّاعَةِ مِنَ الأَكْبَرِ، وَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ فِي بَابِ (مَنْ أَطَاعَ الأُمَرَاءَ وَالعُلَمَاءَ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَو تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ فَقَد اتَّخَذَهُم أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) ".
(٤) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١/ ٩٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٠٩٥) وَحَسَّنَهُ. الصَّحِيحَة (٣٢٩٣).
[ ١ / ١٠٠ ]
- قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي (مَجْموعِ الفَتَاوى) (^١): "وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا -حَيثُ أَطَاعُوهُمْ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ- يَكُونُونَ عَلَى وَجْهَينِ:
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ بَدَّلُوا دِينَ اللهِ؛ فَيَتْبَعُونَهُمْ عَلَى التَّبْدِيلِ؛ فَيَعْتَقِدُونَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَتَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ اتِّبَاعًا لِرُؤَسَائِهِمْ -مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا دِينَ الرُّسُلِ- فَهَذَا كُفْرٌ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ شِرْكًا -وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ لَهُمْ وَيَسْجُدُونَ لَهُم-، فَكَانَ مَنِ اتَّبَعَ غَيرَهُ فِي خِلَافِ الدِّينِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّينِ، وَاعْتَقَدَ مَا قَالَهُ ذَلِكَ دُونَ مَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: مُشْرِكًا مِثْلَ هَؤُلَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ [بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ (^٢)] ثَابِتًا، لَكِنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ -كَمَا يَفْعَلُ المُسْلِمُ مَا يَفْعَلُهُ مِنَ المَعَاصِي الَّتِي يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مَعَاصٍ-؛ فَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حُكْمُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (^٣) ".
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يَعْنِي: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لَا يَزَالُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُهَا (^٤).
_________________
(١) مَجْموعُ الفَتَاوى (٧/ ٧٠).
(٢) مُلَاحَظَةٌ: فِي الأُصُولِ "بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ"!! وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ النُّسَّاخِ. قَالَ الشَّيخُ نَاصِرُ بْنُ حَمَدٍ الفَهْدُ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (صِيَانَةُ مَجْمُوعِ الفَتَاوَى مِنَ السَّقْطِ وَالتَّصْحِيفِ) (ص ٥٩): "وَقَولُهُ هُنَا (بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ) قَدْ أَشَارَ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَصْحِيفًا مِنَ النُّسَّاخِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ العِبَارَةَ هِيَ (بِتَحْرِيمِ الحَرَامِ وَتَحْلِيلِ الحَلَالِ) ".
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٧١٤٥)، وَمُسْلِمٌ (١٨٤٠) مِنْ حَدِيثِ عَليٍّ مَرْفُوعًا.
(٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٧/ ٢٢٥).
[ ١ / ١٠١ ]
- فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بَيَانُ ضَلَالِ ثَلَاثِ طَوَائِفَ:
١ - الطَّائِفَةِ الأُولَى: بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ يُطِيعُونَ شُيُوخَهُم -وَلَو أَمَرُوهُم بِمَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ- بِحُجَّةِ أَنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ لَيسَتْ بِمَعْصِيَةٍ؛ وَأَنَّ الشَّيخَ يَرَى مَا لَا يَرَى المُرِيدُ! (^١)
٢ - الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ: هُمُ المُقَلِّدَةُ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ اتِّبَاعَ كَلَامِ المَذْهَبِ عَلَى كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ؛ مَعَ وُضُوحِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ! (^٢)
٣ - الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ وُلَاةَ الأُمُورِ فِيمَا يُشَرِّعُونَهُ لِلنَّاسِ مِنْ نُظُمٍ وَقَرَارَاتٍ مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ؛ كَالشُّيُوعِيَّةِ وَمَا شَابَهَهَا، وَشَرُّهُم مَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلشَّرْعِ غَيرُ مُخَالِفٍ لَهُ! (^٣)
- فَائِدَةٌ: قَد يُجْمَلُ الخَوفُ مَعَ الرَّجَاءِ فَتَكُونُ الأَرْكَانُ رُكْنَينِ: المَحَبَّةُ وَالرَّجَاءُ، أَوِ المَحَبَّةُ وَالخَوفُ.
_________________
(١) قُلْتُ: هُوَ مَا يُسَمُّونَهُ بِالشَّرِيعَةِ وَالحَقِيقَةِ؛ أَو عِلْمِ الظَّاهِرِ وَعِلْمِ البَاطِنِ.
(٢) قَالَ الفَخْرُ الرَّازِي؛ أَبُو عَبْدِ اللهِ -صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ- ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣١) عِنْدَ شَرْحِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: "قَالَ شَيخُنَا وَمَولَانَا خَاتِمَةُ المُحَقِّقِينَ وَالمُجْتَهِدِينَ ﵁: قَدْ شَاهَدْتُ جَمَاعَةً مِنْ مُقَلِّدَةِ الفُقَهَاءِ؛ قَرَأْتُ عَلَيهِم آيَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فِي بَعْضِ المَسَائِلِ -وَكَانَتْ مَذَاهِبُهُم بِخِلَافِ تِلْكَ الآيَاتِ-؛ فَلَمْ يَقْبَلُوا تِلْكَ الآيَاتِ! وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيهَا! وَبَقَوا يَنْظُرُونَ إِلَيِّ كَالمُتَعَجِّبِ، يَعْنِي كَيفَ يُمْكِنُ العَمَلُ بِظَوَاهِرِ هَذِهِ الآيَاتِ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ سَلَفِنَا وَرَدَتْ عَلَى خِلَافِهَ!! وَلَو تَأَمَّلْتَ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَجَدْتَ هَذَا الدَّاءَ سَارِيًا فِي عُرُوقِ الأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا".
(٣) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى حَدِيثِ: «لَا طَاعَةَ لِبَشَرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». الصَّحِيحَة (١٨١).
[ ١ / ١٠٢ ]
وَوَجْهُ هَذَا "أَنَّ الْخَوْفَ مُسْتَلْزِمٌ لِلرَّجَاءِ، وَالرَّجَاءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَوْفِ؛ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ، وَكُلُّ خَائِفٍ رَاجٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَسُنَ وُقُوعُ الرَّجَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَحْسُنُ فِيهِ وُقُوعُ الْخَوْفِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نُوح: ١٣]، قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى: مَا لَكَمَ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً؟! قَالُوا: وَالرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُلَازِمٌ لَهُ؛ فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ مِنْ فَوَاتِ مَرْجُوِّهِ، وَالْخَوْفُ بِلَا رَجَاءٍ: يَأْسٌ وَقُنُوطٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجَاثِيَة: ١٤] قَالُوا فِي تَفْسِيرِهَا: لَا يَخَافُونَ وَقَائِعَ اللَّهِ بِهِمْ؛ كَوَقَائِعِهِ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ" (^١).
_________________
(١) مَدَارِجُ السَّالِكِينَ لِابْنِ القَيِّمِ (٢/ ٥١).
[ ١ / ١٠٣ ]