- قَولُهُ: "بَابُ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلْقَةِ": اللُّبْسُ بِالضَّمِّ: مِنْ لُبْسِ الثَّوبِ، وَبِالفَتْحِ مِنَ التَّخْلِيطَ، وَبِالكَسْرِ هُوَ مَا يُلْبَسُ.
وَالحَلْقَةُ -بِسُكُونِ اللَّامِ-: مِنَ الاسْتِدَارَةِ -، وَهِيَ المَقْصُودَةُ فِي البَابِ-، وَبِالفَتْحِ: مِنْ حِلَاقَةِ الشَّعْرِ.
- قَولُهُ: "لِدَفْعِ البَلَاءِ" هُوَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، "وَرَفْعُ البَلَاءِ" هُوَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَفِي هَذَا التَّنْوِيعِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي البَابِ التَّالِي.
- الآيَةُ الكَرِيمَةُ هُنَا سِيَاقُهَا فِيمَنْ تَعَلَّقَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٨].
- القَاعِدَةُ فِي هَذَا البَابِ: أَنَّ اعْتِقَادَ الأَسْبَابِ المُؤَثِّرَةِ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا ثَبَتَ شَرْعًا أَو قَدَرًا، فَالتَّعَلُّقُ بِشَيءٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّرْعُ يَكُون نَوعًا مِنَ الشِّرْكِ إِذَا كَانَ لِدَفْعِ البَلَاءِ أَو لِرَفْعِهِ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ﴿بِضُرٍّ﴾ هَذِهِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ؛ وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الضُّرِّ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿تَدْعُونَ﴾ هَذَا الدُّعَاءُ يَشْمَلُ دُعَاءَ المَسْأَلَةِ وَدُعَاءَ العِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الإِشْرَاكِ بِاللهِ تَعَالَى.
[ ١ / ١٠٨ ]
- فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَانُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الخَالِقَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ؛ فَالَّذِي يَرْحَمُ وَيَضُرُّ أَيضًا هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ لَا يُدْعَى وَلَا يُتَعَلَّقُ بِسِوَى اللهِ تَعَالَى، فَصَارَ فِيهِ الاسْتِدْلَالُ بِتَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلَى تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.
- الوَاهِنَةُ: عِرْقٌ يَأْخُذُ فِي المَنْكِبِ وَاليَدِ كُلِّهَا.
- التَّمَائِمُ: جَمْعُ تَمِيمَةٍ، وَهِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتِ العَرَبُ تُعَلِّقُهَا عَلَى أَولَادِهِم يَتَّقُونَ بِهَا العَينَ -فِي زَعْمِهِم-؛ فَأَبْطَلَهَا الإِسْلَامُ (^١).
- الوَدْعَةُ -بِسُكُونِ الدَّالِ، وَيُحَرَّكُ-: جَمْعُهَا وَدَعَاتٌ؛ خَرَزٌ بِيضٌ تُخْرَجُ مِنَ البَحْرِ؛ تُعَلَّقُ لِدَفْعِ العَينِ (^٢).
- الحَدِيثُ الأَوَّلُ فِي البَابِ لَمْ يَصِحَّ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ وَإِنَّمَا صَحَّ مَوقُوفًا عَنْ عِمْرَانَ ﵁ بِنَحْوِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي عَضُدِهِ حَلْقَةٌ مِنَ صُفَرٍ؛ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: نُعِتَتْ لِي مِنَ الوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ وُكِلْتَ إِلَيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَو تُطُيِّرَ لَهُ، وَلَا تَكَهَّنَ أَو تُكُهِّنَ لَهُ، أَو سَحَرَ أَو سُحِرَ لَهُ» (^٣).
- قَولُهُ: «فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أَي: ضَعْفًا، وَذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى رَجَاءَ كَشْفِ الضُّرِّ.
- قَولُهُ: «ومَنْ تَعلَّقَ وَدَعَةً؛ فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» أَي: لَا تَرَكَ لَهُ مَا يُحِبُّ، أَو لَا جَعَلَهُ فِي دَعَةٍ -أَي رَاحَةٍ- وَسُكُونٍ.
_________________
(١) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (١/ ٥٣٦).
(٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ٧٦٩).
(٣) صَحِيحٌ. البَزَّارُ (٩/ ٥٢). الصَّحِيحَة (٢١٩٥).
[ ١ / ١٠٩ ]
- قَولُهُ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ» قَدْ تَكُونُ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً؛ أَي: مَعْنَاهَا الإِخْبَارُ بِأَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ أَمْرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا إِنْشَائِيًّا؛ أَي: مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيهِ بِأَنْ لَا يُتِمَّ اللهُ لَهُ أمْرَهُ.
- قَولُهُ: «مَنْ تَعلَّقَ تَميمَةً» أَي: علَّقَهَا مُتَعَلِّقًا بِهَا قَلْبُهُ.
وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي المُسْنَدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّ عَلَيهِ تَميمَةً!، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا؛ فبَايَعَهُ. وَقَالَ: «مَنْ عَلَّقَ تَميمَةً فَقد أَشْرَكَ» (^١).
- تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ فِيهِ خَلَلٌ مِنْ جَانِبِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ حَيثُ جَعَلَ نَصِيبًا لِغَيرِهِ تَعَالَى مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيهِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيمٍ؛ أَبِي مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ أَعُودُهُ -وَبِهِ حُمْرَةٌ-، فَقُلْنَا: أَلَا تُعَلِّقُ شَيئًا؟ قَالَ: المَوتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيئًا وُكِلَ إِلَيهِ» (^٢).
- إِنَّ مَنْ لَبِسَ الحَلْقَةَ وَنَحْوَهَا مِنَ التَّمَائِمَ -لِدَفْعِ العَينِ- لَهُ حَالَانِ:
١ - إِنِ اعْتَقَدَ لَابِسُهَا أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِهَا دُونَ اللهِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرِيكًا مَعَ اللهِ فِي الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ! وَهُوَ أَيضًا شِرْكٌ فِي العُبُودِيَّةِ حَيثُ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِهَا طَمَعًا وَرَجَاءً لِلنَّفْعِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَد (١٧٤٢٢). الصَّحِيحَة (٤٩٢).
(٢) حَسَنٌ لِغَيْرِهِ. التِّرْمِذِيُّ (٢٠٧٢) -بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّعْلِيْقِ-. صَحِيْحُ التَّرْغِيْبِ (٣٤٥٦).
[ ١ / ١١٠ ]
٢ - إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَبَبٌ فَقَط؛ فَهُوَ مُشْرِكٌ شِرْكًا أَصْغَرَ (^١) -وَعَلَيهِ حَدِيثُ البَابِ-، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ مَا لَيسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا وَتَعَلَّقَ بِهِ؛ فَقَدْ شَابَهَ المُشْرِكِينَ مِنْ جِهَةِ الهَيئَةِ (^٢)، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ ذِكْرُ القَاعِدَةِ هُنَاكَ (^٣).
- إِنَّ جَعْلَ أَيَّ شَيءٍ سَبَبًا إِنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقَينِ فَقَط:
١ - عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ: بِأَنْ يَثْبُتَ فِي الشَّرْعِ كَونُهُ سَبَبًا لِأَمْرٍ مَا، وَذَلِكَ كَالعَسَلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النَّحْل: ٦٩]، وَكَقِرَاءَةِ القُرْآنِ فَفِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإِسْرَاء: ٨٢]، وَكَالحَبَّةِ السَّودَاءُ وَ
٢ - عَنْ طَرِيقِ القَدَرِ: أَي: مَا قَدَّرَهُ اللهُ كَونًا أَنَّهُ سَبَبٌ، وَهُوَ مَا عُلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ وَالحِسِّ، كَمَا إِذَا جَرَّبْنَا هَذَا الشَّيءَ فَوَجَدْنَاهُ نَافِعًا فِي هَذَا الأَلَمِ أَوِ المَرَضِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ ظَاهِرًا مُبَاشِرًا (^٤).
_________________
(١) كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ المُصَنِّفُ فِي المَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ.
(٢) وَأَيضًا قَدْ شَارَكَ اللهَ تَعَالَى فِي الحُكْمِ لِهَذَا الشَّيءِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ؛ وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا!
(٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَة (١/ ٤٩١): "وَلَمْ يَقِفِ الأَمْرُ بِبَعْضِهِم عِنْدَ مُجَرَّدِ المُخَالَفَةِ؛ بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى التَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا الشَّيخُ الجَزُولِيُّ -صَاحِبُ (دَلَائِلِ الخَيرَاتِ) - يَقُولُ فِي الحِزْبِ السَّابِعِ فِي يَومِ الأَحَدِ (ص ١١١ طَبْعُ بُولَاق): "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ مَا سَجَعَتِ الحَمَائِمُ، وَحَمَتِ الحَوَائِمُ، وَسَرَحَتِ البَهَائِمُ، وَنَفَعَتِ التَّمَائِمُ"! وَتَأْوِيلُ الشَّارِحِ لِـ (الدَّلَائِلِ) بِأَنَّ (التَّمَائِمَ) جَمْعُ تَمِيمَةٍ -وَهِيَ الوَرَقَةُ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا شَيءٌ مِنَ الأَسْمَاءِ أَوِ الآيَاتِ، وَتُعَلَّقُ عَلَى الرَّأْسِ مَثَلًا لِلتَّبَرُّكِ- فَمِمَّا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّمَائِمَ عِنْدَ الإِطْلَاقِ إِنَّمَا هِيَ الخَرَزَاتُ كَمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ الأَثِيرِ، عَلَى أَنَّهَ لَو سُلِّمَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا دَلِيلَ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ التَّمِيمَةَ بِهَذَا المَعْنَى تَنْفَعُ! وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ كَمَّا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِي عَلَى (الكَلِمِ الطَّيِّبِ) ".
(٤) وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا جَرَّبْتُ هَذَا وَانْتَفَعْتُ بِهِ -وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُبَاشِرًا- كَالحَلْقَةِ؛ فَقَدْ يَلْبَسُهَا إِنْسَانٌ -وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا نَافِعَةٌ- فَيَنْتَفِعُ! لِأَنَّ الانْفِعَالَ النَّفْسِيَّ لِلشَّيءِ لَهُ أَثَرٌ بَيِّنٌ.
[ ١ / ١١١ ]
- قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "وَهَذَا البَابُ يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الأَسْبَابِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
١ - أَنْ لَا يَجْعَلَ مِنْهَا سَبَبًا إِلَّا مَا ثَبَتَ أَنَّه سَبَبٌ شَرْعًا أَو قَدَرًا.
٢ - أَنْ لَا يَعْتَمِدَ العَبْدُ عَلَيهَا؛ بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى مُسَبِبِهَا وَمُقَدِّرِهَا، مَعَ قِيَامِهِ بِالمَشْرُوعِ مِنْهَا، وَحِرْصِهِ عَلَى النَّافِعِ مِنْهَا.
٣ - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيفَ يَشَاءُ -إِنْ شَاءَ أَبْقَى سَبَبِيَّتَهَا جَارِيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيَّرَهَا كَيفَ يَشَاءُ-، وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِلعِبَادِ فِي أَنْ لَا يَعْتَمِدوا عَلَيهَا؛ وَلِيَعْلَمُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ" (^١).
- فِي المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ: قَولُهُ: "أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالجَهَالَةِ": هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَولَهُ ﷺ: «لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» لَيسَ بِصَرِيحٍ أَنَّهُ لَو مَاتَ قَبْلَ العِلْمِ! بَلْ ظَاهِرُهُ: "بَعْدَ أَنْ عَلِمْتَ وَأُمِرْتَ بِنَزْعِهَا" (^٢).
- يُشْرَعُ عِنْدَ الإِصَابَةِ بِالعَينِ فِعْلُ الرُّقْيَةِ بَدَلًا مِنْ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ العَينِ) (^٣)، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَينٍ أَو حُمَةِ» (^٤).
وَالرُّقيَةُ هِيَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ وَهُوَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِرَدِّ البَلَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ
_________________
(١) القَولُ السَّدِيدُ (ص ٤٢).
(٢) القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٧٣).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٣٨)، وَمُسْلِمٌ (٢١٩٥).
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٧٠٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٠).
[ ١ / ١١٢ ]
أَصْلًا، كَمَا فِي حَدِيثِ ثَوبَان مَرْفُوعًا: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ» (^١)، فَتأمَّلْ قَولَهُ: «لَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاُء» حَيثُ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ النَّفْي يُفِيدُ الحَصْرَ.
وَفِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزَلْ؛ فَعَلَيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِالدُّعَاءِ» (^٢)، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي دَفْعِ البَلَاءِ وَرَفْعِهِ.
- فِي قَولِهِ: «فَإِنَّكَ لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ؛ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» أَي: لَو مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا مَا أَفْلَحَ أَبَدًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ حَتَّى وَلَو كَانَ شِرْكًا أَصْغَر، فَهُوَ يُعذَّبُ بِهِ -وَإِنْ كَانَ لَا يعذَّبُ تَعْذِيبَ المُشْرِكِ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ- فَهُوَ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، لَكِنْ يُعَذَّبُ بِهِ بِقَدَرِهِ (^٣)، فَفِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ: "أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الكَبَائِرِ" (^٤).
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ مَاجَه (٤٠٢٢). وَالحَدِيثُ بِهَذَا القَدْرِ صَحِيحٌ. الصَّحِيحَة (١٥٤).
(٢) حَسَنٌ. الحَاكِمُ (١٨١٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٩).
(٣) يُنْظَرُ: إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (١/ ١٩١). قُلْتُ: وَفِي القَولِ بِعَدَمِ مَغْفِرَةِ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ -إِلَّا بِالتَّوبَةِ- خِلَافٌ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ. قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَلْخِيصُ كِتَابِ الاسْتِغَاثَةِ) المَعْرُوفِ بِاسْمِ (الرَّدُ عَلَى البَكْرِيِّ) (ص ٣٠١): "وَقَدْ يُقَالُ: الشِّرْكُ لَا يُغْفَرُ مِنْهُ شَيءٌ لَا أَكْبَرَ وَلَا أَصْغَرَ -عَلَى مُقْتَضَى عُمُومِ القُرْآنِ-؛ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ يَمُوتُ مُسْلِمًا، لَكِنَّ شِرْكَهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ، بَلْ يُعَاقَبُ عَلَيهِ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الجَنَّةَ".
(٤) وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي بَابِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٢].
[ ١ / ١١٣ ]