وَبَيَانُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِنَّمَا نَجْعَلُهُ مِنْ خَاصَّةِ كَلَامِهِ ﵀:
قَالَ ﵀: "وَأَمَّا الكَذِبُ وَالبُهْتَانُ؛ فِمِثْلُ قَولِهِم: إِنَّا نُكَفِّرُ ِبالعُمُومِ! وَنُوجِبُ الهِجْرَةَ إِلَينَا عَلَى مَنْ قَدِرَ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ! وَإِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ وَمَنْ لَمْ يُقاتِلْ! وَمِثْلُ
_________________
(١) = كَمَا دَرَسَ مَذَاهِبَ غَيرِهِم كَالشِّيعَةِ، وَلَمْ يَفُتْهُ عِلْمُ الكَلَامِ؛ فَقَدْ دَرَسَهُ وَاتَّخَذَ مَعَهُ سَبِيلَ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَاسْتَنْكَرَ مُصْطَلَحَاتِ عُلَمَاءِ الكَلَامِ وَأُسْلُوبَهُم فِي النَّفْي وَالإِثْبَاتِ، وَاسْتَنْكَرَ طَرِيقَةَ الكَلَامِيِّينَ فِي الجَدَلِ وَالمَنْطِقِ؛ لِأَنَّهَا مَزْلَقَةٌ وَمَضَلَّةٌ". وَقَالَ أَيضًا: "وَمَعْ غَزَارَةِ العِلْمِ، وَإِلْحَاحٍ فِي الطَّلَبِ وَالسَّعْي مِنْ أَجْلِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيخَ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ تَرَفٍ فِكْرِيٍّ، أَوْ عِلْمٍ دُونَ عَمَلٍ! فَوَاقِعُ حَيَاةِ الرَّجُلِ وَأَخْبَارِهِ وَمَا حَقَّقَتْهُ دَعْوَتُهُ تُؤَكِّدُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ، بَلْ كَانَ يَحُضُّ أَنْصَارَهُ عَلَى ضَرُورَةِ تَحَلِّيهِم بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ. لَقَدِ افْتَرَى الكَثِيرُونَ عَلَى عِلْمِ الإِمَامِ وَعَقِيدَتِهِ، فَأَوْرَدُوا شُبَهًا خَطِيرَةً تُحَرِّفُ الحَقِيقَةَ، وَتَدَّعِي البَاطِلَ، وَمِنْ ثَمَّ دَفَعَ هَذَا الأَمْرُ الإِمَامَ إِلَى بَيَانِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي يَدِينُ بِهَا، وَالَّتِي نَسْتَشِفُّهَا مِنْ رَسَائِلِهِ الكَثِيرَةِ". وَقَالَ أَيضًا: "أُثِرَ عَنِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ لِينَهُ فِي خِطَابِهِ مَعَ المُخَالِفِينَ، وَشَفَقَتُهُ فِي مُنَاصَحَةِ الجَاهِلِينَ. وَدَائِمًا مَا تَقَبَّلَ الشَّيخُ اللَّومَ وَالعِتَابَ، بَلْ وَالهُجُومَ عَلَى شَخْصِهِ وَدَعْوَتِهِ بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ وَادِعَةٍ؛ فَلَا يَرُدُّ الإِسَاءَةَ بِمِثْلِهَا، بَلْ يَرُدُّ الإِسَاءَةَ بِإِحْسَانٍ، وَقَدْ حَوَتْ مُكَاتَبَاتُهُ وَمُرَاسَلَاتُهُ مِنْ هَذَا الأَمْرِ الكَثِيرَ. كَاتَبَ الشَّيخُ -عِنْدَمَا اسْتَقَرَّ فِي الدَّرْعِيَّةِ- بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ البُلْدَانِ وَرُؤَسَاءَهُم وَمُدَّعِي العِلْمِ فِيهِم، فَمِنْهُم مَنْ قَبِلَ الحَقَّ وَاتَّبَعَهُ، وَمِنْهُم مَنِ اتَّخَذَهُ سُخْرِيًا وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الجَهْلِ تَارَةً، وَإِلَى السِّحْرِ تَارَةً أُخْرَى، وَرَمَوهُ بِأَشْيَاءَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهَا جَمِيعًا، وَبَقِيَ يَدْعُو رَبَّهُ بِالحُجَّةِ الوَاضِحَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، فَلَمْ يُبَادِرْ أَحَدًا بِالتَّكْفِيرِ، وَلَمْ يَبْدَأْ أَحَدًا بِالعُدْوَانِ، بَلْ تَوَقَّفَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وَرَعًا مِنْهُ وَأَمَلًا فِي أَنْ يَهْدِيَ اللهُ الضَّالِينَ". يُنْظَرُ كِتَابُ (قِصَّةِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ) لِلْمُؤَرِّخِ رَاغِبِ السّرْجَانيِّ حَفِظَهُ اللهُ.
[ ١ / ١١ ]
هَذَا وَأَضْعَافُ أَضْعَافِهِ؛ فَكُلُّ هَذَا مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ الَّذِي يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ دِينِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَإِذَا كُنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى عَبْدِ القَادِرِ (^١)؛ وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ أَحْمَدِ البَدَوِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا لِأَجْلِ جَهْلِهِم وَعَدَمِ مَنْ يُنبِّهُهُم؛ فَكَيفَ نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَينَا، أَوْ لَمْ يَكْفُرْ ويُقاتِلْ؟! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" (^٢).
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَأَمَّا مَا ذَكَرَ الأَعْدَاءُ عَنِّي: أَنِّي أُكَفِّرُ بِالظَّنِّ وَبِالمُوَالَاةِ! أَوْ أُكَفِّرُ الجَاهِلَ الَّذِي لَمْ تَقُمْ عَلَيهِ الحُجَّةُ! فَهَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يُرِيدُونَ بِهِ تَنْفِيرَ النَّاسِ عَنْ دِينِ اللهِ وَرَسُولِهِ" (^٣).
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَكَذَلِكَ تَمْوِيهُهُ عَلَى الطُّغَامِ: بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ يَقُولُ: الَّذِي مَا يَدْخُلُ تَحْتَ طَاعَتِي كَافِرٌ!! وَنَقُولُ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ! بَلْ نُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ قُلُوبِنَا؛ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالتَّوحِيدِ، وَتَبَرَّأَ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ؛ فَهُوَ المُسْلِمُ فِي أَيِّ زَمَانٍ وَأَيِّ مَكَانٍ.
وَإِنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فِي إِلَهِيَّتِهِ بَعْدَمَا نُبَيِّنُ َلُه الحُجَّةَ عَلَى بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَكَذَلِكَ نُكَفِّرُ مَنْ حَسَّنَهُ لِلْنَّاسِ، أَوْ أَقَامَ الشُّبَهَ البَاطِلَةَ عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِسَيْفِهِ دُونَ هَذِهِ المَشَاهِدِ الَّتِي يُشْرَكُ بِاللهِ عِنْدَهَا وَقَاتَلَ مَنْ أَنْكَرَهَا وَسَعَى فِي إِزَالَتِهَا" (^٤).
_________________
(١) يَقْصِدُ القُبَّةَ المَبْنِيَّةَ عَلَى الضَّرِيحِ.
(٢) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١/ ١٠٤).
(٣) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١٠/ ١١٣).
(٤) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١٠/ ١٢٨).
[ ١ / ١٢ ]
وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَأَمَّا التَّكْفِيرُ؛ فَأَنَا أُكَفِّرُ مَنْ عَرَفَ دِيْنَ الرَّسُولِ ثُمَّ بَعْدَمَا عَرَفَه سَبَّهُ وَنَهَى النَّاسَ عَنْهُ؛ وَعَادَى مَنْ فَعَلَهُ؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أُكَفِّرُ، وَأَكْثَرُ الأُمَّةِ -وَللهِ الحَمْدُ- لَيسُوا كَذَلِكَ.
وَأَمَّا القِتَالُ؛ فَلَمْ نُقَاتِلْ أَحَدًا -إِلَى اليَومِ- إِلَّا دُونَ النَّفْسِ وَالحُرْمَةِ، وَهُمْ الَّذِين أَتَونَا فِي دِيَارِنَا، وَلَا أَبْقَوا مُمْكِنًا! وَلَكِنْ قَدْ نُقَاتِلُ بَعْضَهُم عَلَى سَبِيلِ المُقَابَلَةِ، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠].
وَكَذَلِكَ مَنْ جَاهَرَ بِسَبِّ دِينِ الرَّسُولِ بَعْدَمَا عُرِّفَ؛ فَإِنَّا نُبَيِّنُ لَكُم أَنَّ هَذَا هُوَ الحقُّ الَّذِي لَا رَيبَ فِيهِ؛ وَأَنَّ الوَاجِبَ إِشَاعَتُهُ فِي النَّاسِ وَتَعْلِيمُهُ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ" (^١).
ثَنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَى كِتَابِ التَّوحِيدِ
قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِبْنُ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀: "جَمَعَ عَلَى اخْتِصَارِهِ خَيرًا كثيرًا، وَضَمَّنَهُ مِنْ أَدِلَّةِ التَّوحِيدِ مَا يَكْفِي مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ، وَبَيَّنَ فِيهِ الأَدِلَّةَ فِي بَيَانِ الشِّرْكِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللهُ" (^٢).
وَقَالَ العَلَّامَةُ المُؤَرِّخُ ابْنُ بِشْرٍ ﵀ فِي "عُنْوَانُ المَجْدِ": "مَا وَضَعَ المُصَنِّفُونَ فِي فَنِّهِ أَحْسَنَ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أَحْسَنَ فِيهِ وَأَجَادَ، وَبَلَغَ الغَايَةَ وَالمُرَادَ" (^٣).
وَأَوْصَى الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ آلُ الشَّيخِ ﵀ فِي رِسَالَةٍ مِنْهُ إِلَى أَحَدِ القُضَاةِ فَقَالَ: "وَعَلَيكَ بِصِفَتِكَ مَسْئُولًا عَنْ مَا وَلَّاكَ اللهُ عَلَيهِ أَنْ تُعَيِّنَ وَقْتًا مِنْ أَوْقَاتِكَ
_________________
(١) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (١/ ٧٣).
(٢) الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (٤/ ٣٣٩).
(٣) عُنْوَانُ المَجْدِ (١/ ٩٢).
[ ١ / ١٣ ]
تَجْلِسُ فِيهِ فِي السُّوقِ يُقْرَأُ عَلَيكَ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ وَتَتَكَلَّمُ عَلَيهِ بِمَا تَيَسَّرَ" (^١).
وَقَالَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ كُتُبُ إِمَامِ الدَّعْوَةِ وَمُجَدِّدِ دَعْوَةِ التَّوحِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀؛ فَكُتُبُهُ أَيضًا فِي هَذَا المَجَالِ بِمَنْزِلَةِ الكُتُبِ الَّتِي لَا مَثِيلَ لَهَا، فَإِنَّهُ ﵀ قَدْ لَخَّصَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ فِي كِتَابِ التَّوحِيدِ المَعْرُوفِ بِهِ، وَالوَاقِعُ أَنَّ هَذَا الكِتَابَ لَهُ أَثَرٌ طَيِّبٌ جِدًّا لَيسَ فِي البِلَادِ السَّعَودِيَّةِ فَقَط! بَلْ وَفِي كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ الإِسْلَامِيَّةِ، فَقَدْ أَخَذَ المُسْلِمُونَ يَتَعَرَّفُونَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ -دَعْوَةِ التَّوحِيدِ الخَالِصَةِ للهِ ﷿ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي يَطْبَعُهَا عُلَمَاءُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ سَوَاءً مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ كُتُبِ الشَّيخِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ شُرُوحِ كُتُبِهِ الكَثِيرَةِ" (^٢).
وَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادُ حَفِظَهُ اللهُ: "كِتَابُ التَّوحِيدِ -الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى العَبِيدِ- هُوَ أَهَمُّ وَأَوْسَعُ كُتُبِ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي العَقِيدَةِ" إِلَى أَنْ قَالَ -حَفِظَهُ اللهُ-: "وَمِنْ مَنْهَجِهِ فِي تَأْلِيفَهِ أَنَّ الكِتَابَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يَسُوقُ فِيهِ الشَّيخُ الإِمَامُ آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ وَآثَارًا عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم مِمَّنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِم وَطَرِيقَتِهِم" (^٣).
_________________
(١) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀ (رَقَم ٤٥٤٩).
(٢) انْظُرْ أَشْرِطَةَ "فَتَاوَى مُتَفَرِّقَةٌ" (شَرِيط ٢٠٢) مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
(٣) مَنْهَجُ شَيخِ الإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي التَّأْلِيفِ (ص ١٤).
[ ١ / ١٤ ]