الجَوَابُ:
بِدَايَةً؛ الأَثَرُ هَذَا بِلَفْظِهِ هُوَ -كَمَا جَاءَ فِي كِتَابِ (العِلَلُ وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ) لِعَبْدِ اللهِ ابْنِ الإِمَامِ أَحْمِدَ- أَنَّهُ سَأَلَ أَبَاهُ: "سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ مِنْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَيَتَبَرَّكُ بِمَسِّهِ وَيُقَبِّلُهُ وَيفْعَلُ بِالقَبْرِ مِثْلَ ذَلِكَ أَو نَحْوَ هَذَا؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَزَّ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ" (^١).
وَأَمَّا جَوَابُهُ؛ فَهُوَ أَنَّهُ أَثَرٌ شَاذٌّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلَا تَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَيهِ ﵀.
وَبَيَانُهُ مِنْ أَوْجُهٍ:
- الوَجْهِ الأَوَّلِ: إِنَّ هَذَا الأَثَرَ شَاذٌّ مَتْنًا مِن عِدَّةِ طُرُقٍ مَنْقُولَةٍ بِالأَسَانِيدِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀؛ مِنْهَا:
نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمُ -وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ- عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ؛ أَنَّهُ: "قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ يُلْمَسُ وَيُتَمَسَّحُ بِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْرِفُ هَذَا! قُلْتُ لَهُ: فَالمِنْبَرُ؟ قَالَ: أَمَّا المِنْبَرُ؛ فَنَعَمْ، قَدْ جَاءَ فِيهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: شَيءٌ يَرْوُونَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى المِنْبَرِ. قَالَ: وَيَرْوُنَهُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيّبِ فِي الرُّمَّانَةِ. قُلْتُ: وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ -يَعْنِي: الأَنْصَارِيَّ؛ شَيخَ مَالِكٍ- وَغَيرِه؛ أَنَّهُ حَيثُ أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى العِرَاقِ جَاءَ إِلَى المِنْبَرِ فَمَسَحَهُ وَدَعَا، فَرَأَيتُهُ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالشَّيءِ. قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: إِنَّهُم
_________________
(١) العِلَلُ وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ لِأَحْمَدَ -رِوَايَةُ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ- (٢/ ٤٩٢).
[ ١ / ١٧٥ ]
يُلْصِقُونَ بُطُونَهُم بِجِدَارِ القَبْرِ! وَقُلْتُ لَهُ: وَرَأَيتُ أَهْلَ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَهُ، وَيَقُومُونَ نَاحِيَتَهُ فَيُسَلِّمُونَ! فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: نَعَمْ، وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بِأَبِي وَأُمَّيِ ﷺ" (^١).
وَنَقَلَ صَالِحُ -ابْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ- عَنْهُ: "وَلَا يَمَسَّ الحَائِطَ، وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى الرُّمَّانَةِ وَمَوْضِعَ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا يُقَبِّلَ الحَائِطَ" (^٢).
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّيَالِسِيُّ -وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ-: "مَسَحْتُ يَدِي عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ ثُمَّ مَسَحْتُ يَدِي عَلَى بَدَنِي وَهُوَ يَنْظُرُ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَجَعَلَ يَنْفُضُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: عَمَّنْ أَخَذْتُم هَذَا؟! وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا" (^٣).
وَهَذَا أَثَرٌ وَاضِحٌ بيِّنٌ فِي تَشْنِيعِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ وَهُوَ حَيٌّ؛ فَكَيفَ يَرْضَى أَنْ يُتَبَرَّكَ بِالقُبُورِ؟!
- الوَجْهِ الثَّانِي: مَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ -وَالَّذِينَ هُمْ أَدْرَى النَّاسِ بِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَمَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْهُ- وَغَيرُهُم.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀: "وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بِحَائِطِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا تَقْبِيلُهُ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْرِفُ هَذَا. قَالَ الأَثْرَمُ: رَأَيتُ أَهْلَ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ" (^٤).
وَقَالَ المَرْدَاوِيُّ ﵀: "لَا يُسْتَحَبُّ تَمَسُّحُهُ بِقَبْرِهِ -عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ
_________________
(١) الصَّارِمُ المُنْكِي (ص ١٤٥).
(٢) مَسَائِلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ -رِوَايَةُ ابْنِهِ أَبِي الفَضْلِ؛ صَالِحٍ- (٣/ ٦٠).
(٣) طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ لِأَبِي يَعْلَى (١/ ٢٢٨).
(٤) المُغْنِي (٣/ ٤٧٩).
[ ١ / ١٧٦ ]
وَالسَّلَامِ- عَلَى الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. قَالَ فَي المُسْتَوعَبِ: بَلْ يُكْرَهُ، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: أَهْلُ العِلْمِ كَانُوا لَا يَمَسُّونَهُ! نَقَلَ أَبُو الحَارِثِ: يَدْنُو مِنْهُ وَلَا يَتَمَسَّحُ بِهِ، بَلْ يَقُومُ حِذَاءَهُ فَيُسَلِّمُ، وَعَنْهُ يُتَمَسَّحُ بِهِ (^١) " (^٢).
وَقَالَ الحَجَاوِيُّ ﵀: "وَلَا يُتَمَسَّحْ، وَلَا يُمَسَّ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا حَائِطُهُ، وَلَا يُلْصِقْ بِهِ صَدْرَهُ، وَلَا يُقَبِّلْهُ" (^٣).
وَقَالَ السَّمْهُودِيُّ: "وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ رَأَى رَجُلًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ! وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَشَدَّ الإِنْكَارِ" (^٤).
وكُلُّ مَنْ دَرَسَ المذْهَبَ الحَنْبَلِيَّ عَرَفَ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ مَسْأَلَةٌ مَرْدُودَةٌ مُنْكَرَةٌ فِي المَذْهَبِ؛ فَكَيفَ يُنْسَبُ بَعْدَ هَذَا جَوَازُ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ إِلَى الإِمَامِ أَحْمَدَ؟! وَقَاعِدَةُ العِلْمِ مَعْرُوفَةٌ فِي رَدِّ المُتَشَابِهِ إِلَى المُحْكَمِ.
- الوَجْهِ الثَّالِثِ: قَدْ نَقَلَ كَثِيرٌ مِن المُحَقِّقِينَ الإِجْمَاعَ -وَمِن جُمْلَتِهِم الإِمَامُ أَحْمَدُ كَمَا لَا يَخْفَى- عَلَى المَنْعِ مِن التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ الشَّرِيفِ، وَمِنْهُم:
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَافَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ويُكْرَهُ إلْصَاقُ البَطْنِ وَالظهْرِ بِجِدَارِ القَبْرِ، قَالَهُ الحَلِيميُّ وَغَيرُهُ.
_________________
(١) وَهَذِهِ لَا تَثْبُتُ عَنْ أَحْمَدَ، كَمَا تَجِدُ نَصَّ المَرْدَاوِيِّ عَنْهُ فِي قَولِهِ السَّابِقِ: "عَلَى الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ".
(٢) الإِنْصَافُ (٤/ ٥٣).
(٣) الإِقْنَاعُ (١/ ٣٩٦).
(٤) وَفَاءُ الوَفَاءِ (٤/ ٢١٦).
[ ١ / ١٧٧ ]
وَيُكْرَهُ مَسْحُهُ بِاليَدِ وَتَقْبِيلُهُ، بَلِ الأَدَبُ أَنْ يَبْعُدَ مِنْهُ كَمَا يَبْعُدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَ في حَيَاتِهِ ﷺ، هذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ العُلَمَاءُ وَأطْبقُوا عَلَيهِ.
وَيَنْبَغِي أنْ لَا يُغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِنَ العَوَامِّ فِي مُخَالَفَتِهِمْ ذلِكَ؛ فَإِنَّ الاقْتِدَاءَ وَالعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْوَالِ العُلماءِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلى مُحْدَثَاتِ العَوَامِّ وَجَهَالَاتِهِم، وَلَقَدْ أَحْسَنَ السَّيِّدُ الجَلِيلُ أبُو عَلِيٍّ -الفُضَيلُ بنُ عِيَاضِ- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلهِ مَا مَعْنَاهُ: اتَّبْعِ طُرُقَ الهُدَى وَلَا يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَاَلَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهَالِكِينَ! وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أنَّ المَسْحَ بِاليَدِ وَنَحْوَهُ أَبْلَغُ فِي البَرَكَةِ! فَهُوَ مِنْ جَهَالَتِهِ وَغَفْلَتِهِ، لَأَنَّ البَرَكَةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَأَقْوَالَ العُلَمَاءِ، وَكَيفَ يُبْتَغَى الفَضْلُ فِي مُخَالَفَةِ الصَّوَابِ؟! " (^١).
وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﵌ وَتَقْبِيلُهُ؛ فَكُلُّهُمْ كَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ ﵌ مِنْ حَسْمِ مَادَّةِ الشِّرْكِ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ" (^٢).
- الوَجْهِ الرَّابِعِ: حَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ التَّمَسُّحَ -مُحَاوَلَةً فِي التَّوفِيقِ مَعَ الرِّوَايَةِ المُسْتَنْكَرَةِ تِلْكَ- عَلَى أَنَّ مَسَّ القَبْرِ لَيسَ المَقْصُودُ مِنْهُ التَّبَرُّكَ! وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى مُصَافَحَةِ الحَيِّ.
قَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَسَائِلُ الفِقْهِيَّةُ مِن كِتَابِ
_________________
(١) الإِيضَاحُ فِي مَنَاسِكِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ لِلنَّوَوِيِّ (ص ٤٥٦).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٢٧/ ٨٠).
[ ١ / ١٧٨ ]
الرِّوَايَتَينِ وَالوَجْهَينِ): "وَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى: أَنَّ الزِّيَارَةَ لِلْمَيِّتِ جَارِيَةٌ مَجْرَى زِيَارَةِ الحَيِّ، وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى المَيِّتِ عِنْدَ قَبْرِهِ كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَى الحَيِّ وَيُسْتَحَبُّ مُصَافَحَةُ الحَيِّ؛ فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَبَّ مَسُّ قَبْرِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى المُصَافَحَةِ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: إِنَّمَا طَرِيقَةُ القُرْبَةِ تَقِفُ عَلَى التَّوْقِيفِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي الحَجَرِ: (لَولَا أَنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ يُقَبِّلُكُ لَمَا قَبَّلْتُكَ!) وَلَيسَ فِي هَذَا تَوقِيفٌ" (^١).
- الوَجْهِ الخَامِسِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ نفْسَه -الَّذِي رَوَى تِلْكَ الرِّوَايَةَ المُسْتَنْكَرَةَ- نَقَلَ عَنْ أَبِيه أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَأَقَرَّهُ وَلَمْ يَعْتَرِضِ عَلَيهِ! فَرَوَى أَبُو الحَسَنِ -عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ القُزْوِينِيُّ- فِي أَمَالِيهِ قَالَ: "قَرَأْتُ عَلَى عُبَيدِ اللهِ الزُّهْرِيِّ؛ قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكَ أَبُوكَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زَيدٍ -حَمَّادَ بْنَ دَلِيلٍ- قَالَ لِسُفْيَانَ -يَعْنِي ابْنَ عُيَينَةَ- قَالَ: يُتَمَسَّحُ بِالقَبْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا يُلْتَزَمُ القَبْرُ، وَلَكِنْ يَدْنُو. قَالَ أَبِي: يَعْنِي: الإِعْظَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ" (^٢).
- الوَجْهِ السَّادِسِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ هَذَا -ابْنَ الإِمَامِ أَحْمَدَ- قَدْ حَكَتِ الحَنَابِلَةُ عَنْهُ تَغْرِيبَهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَروِيهِ عَنْ أَبِيهِ فِي الأَحْكَامِ!
قَالَ أَبُو يَعْلَى الحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ (طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ): "وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ مَسَائِلُ جِيَادٌ كَثِيرَةٌ؛ يُغَرِّبُ مِنْهَا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي الأَحْكَامِ! فَأَمَّا العِلَلُ؛ فَقَدْ جَوَّدَ عَنْهُ،
_________________
(١) المَسَائِلُ الفِقْهِيَّةُ مِن كِتَابِ الرِّوَايَتَينِ وَالوَجْهَينِ (١/ ٢١٥).
(٢) الإِخْنَائِيَّةُ لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ٤١٥).
[ ١ / ١٧٩ ]
وَجَاءَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيرُهُ" (^١).
وَلِذَلِكَ -فِيمَا يَخُصُّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ- قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَيهَا: "وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ صِحَّةَ ذَلِكَ" (^٢).
وَكَذَا لَمَّا نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ ﵀ الرِّوَايَتَينِ قَالَ: "فَتَعَارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الأَثْرَمِ -وَهُوَ مِن أَجَلِّ أَصْحَابِهِ- أَنَّ مَيلَ أَحْمَدَ إِلَى المَنْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: رَأَيتُ أَهْلَ العِلْمِ بِالمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ القَبْرَ، قَالَ أَحْمَدُ: وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ. انْتَهَى" (^٣).
فَائِدَةٌ فِي التَّفْرَيقِ بَينَ رُمَّانَةِ المِنْبَرِ وَبَينَ القَبْرِ الشَّرِيفِ:
فَرَّقَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ بَينَ التَّمَسُّحِ بِرُمَّانَةِ مِنْبَر النَّبِيِّ ﷺ وَبَينَ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ، وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَ الأَمْرَينِ مِنْ جِهَةِ مَسِّ أَثَرِ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ؛ خِلَافًا لِلْقَبْرِ.
قَالَ الشَّيخُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ ﵀ فِي حَقِّ جِدَارِ القَبْرِ النَّبَوِيِّ: "وَلَيسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَمَسَّ الْجِدَارَ وَلَا أَنْ يُقَبِّلَهُ! بَلِ الْوُقُوفُ مِنْ بُعْدٍ أَقْرَبُ لِلْاحْتِرَامِ" (^٤)، بَينَمَا قَالَ فِي حَقِّ رُمَّانَةِ المِنْبَرِ: "وَيَدْعُو عِنْدَ المِنْبَرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى الرُّمَّانَةِ السُّفْلَى الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيهَا عِنْدَ الخُطْبَةِ" (^٥).
_________________
(١) طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ (١/ ١٨٣).
(٢) فَتْحُ البَارِي (٣/ ٤٧٥).
(٣) حَاشِيَةُ الإِيضَاحِ (ص ٥٠٢).
(٤) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ٢٥٩).
(٥) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ٢٦٠).
[ ١ / ١٨٠ ]
وَقَدْ بَيَّنَ ﵀ أَنَّ التَّمَسُّحَ بِالقَبْرِ هُوَ مِن عَادَةِ النَّصَارَى أَصْلًا! فَقَالَ ﵀: "وَالْمُسْتَحَبُّ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَنْ يَقِفَ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ الْمَيِّتَ، وَأَنْ يُسَلِّمَ، وَلَا يَمْسَحِ الْقَبْرَ، وَلَا يَمَسَّهُ، وَلَا يُقَبِّلْهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ النَّصَارَى!
قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَأَيتُهُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ- يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ، السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَى أَبِي، وَيَنْصَرِفُ.
وَعَن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: رَأَيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَفَ فَرَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ؛ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ" (^١).
وَقَالَ ﵀ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: "فَإِنَّ الْمَسَّ وَالتَّقْبِيلَ لِلْمَشَاهِدِ عَادَةُ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ" (^٢).
وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "فَقَدْ رَخَّصَ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ فِي التَّمَسُّحِ بِالمِنْبَرِ وَالرُّمَّانَةِ -الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ مَقْعَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَدِهِ-، وَلَمْ يُرَخِّصُوا فِي التَّمَسُّحِ بِقَبْرِهِ.
وَقَدْ حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً فِي مَسْحِ قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ شَيَّعَ بَعْضَ المَوْتَى؛ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَبْرِهِ يَدْعُو لَهُ، وَالفَرْقُ بَينَ المَوضِعَينِ ظَاهِرٌ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ التَّمَسُّحَ بِالمِنْبَرِ كَمَا كَرِهُوا التَّمَسُّحَ بِالقَبْرِ، فَأَمَّا اليَومَ فَقَدِ احْتَرَقَ المِنْبَرُ، وَمَا بَقِيَتِ الرُّمَّانَةُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِن المِنْبَرِ خَشَبَةٌ صَغِيرَةٌ، فَقَدْ زَالَ مَا رُخِّصَ فِيهِ، لِأَنَّ الأَثَرَ المَنْقُولَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيرِهِ إِنَّمَا هُوَ التَّمَسُّحُ بِمَقْعَدِهِ" (^٣).
_________________
(١) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (٤/ ٤٩١).
(٢) إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ (١/ ٢٧١).
(٣) اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ (٢/ ٢٤٤).
[ ١ / ١٨١ ]