الجَوَابُ:
لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْهُمَا.
وَلْنَسْتَعْرِضِ الأَثَرَينِ فِي ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ سَبَبِ الضَّعْفِ حَدِيثِيًّا.
أَمَّا الأَثَرُ الأَوَّلُ: فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِر فِي تَارِيخِهِ عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ بِلَالًا رَأَى فِي مَنَامِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: «مَا هَذِهِ الجَّفْوَةُ يَا بِلَالُ؟! أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنِي يَا بِلَالُ»؟! فَانْتَبَهَ حَزِينًا وَجِلًا خَائِفًا؛ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَقَصَدَ المَدِينَةَ، فَأَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ يَبْكِي عِنْدَهُ وَيُمَرِّغُ وَجْهَهُ عَلَيهِ، وَأَقْبَلَ الحَسَنُ وَالحُسَينُ؛ فَجَعَلَ يَضُمُّهُمَا وَيُقَبِّلُهُمَا، فَقَالَا لَهُ: يَا بِلَالُ؛ نَشْتَهِي نَسْمَعُ أَذَانَكَ الَّذِي كُنْتَ تُؤَذِّنُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي السَّحَرِ! فَفَعَلَ؛ فَعَلَا سَطْحَ المَسْجِدِ، فَوَقَفَ مَوْقِفَهُ الَّذِي كَانَ يَقِفُ فِيهِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ؛ ارْتَجَّتِ المَدِينَةُ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ زَادَ تَعَاجِيجُهَا، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ خَرَجَ العَوَاتِقُ مِن خُدُورِهِنَّ فَقَالُوا: أَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟! فَمَا رُئِيَ يَومٌ أَكْثَرُ بَاكِيًا وَلَا بَاكِيَةً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ذَلِكَ اليَومِ (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الهَادِي ﵀ عَنْهُ: "أَثَرٌ غَرِيبٌ مُنْكَرٌ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَيضِ الغَسَّانِيِّ، عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَذَا: شَيخٌ لَمْ يُعْرَفْ بِثِقَةٍ
_________________
(١) ضَعِيفٌ. تَارِيخُ دِمَشْقَ (٧/ ١٣٧). أُسْدُ الغَابَةِ (١/ ٤١٥).
[ ١ / ١٧٢ ]
وَأَمَانَةٍ وَلَا ضَبْطٍ وَعَدَالَةٍ! بَلْ هُوَ مَجْهُولٌ غَيرُ مَعْرُوفٍ بِالنَّقْلِ، وَلَا مَشْهُورٍ بِالرِّوَايَةِ! وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيرُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَيضِ، رَوَى عَنْهُ هَذَا الأَثَرَ المُنْكَرَ" (^١).
وَقَالَ ابنُ حَزْمٍ: "قَدْ ذَكَرْنَا مَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ مِن أَهْلِ النَّقْلِ: أَنَّ بِلَالًا ﵁ لَمْ يُؤَذِّنْ قَطُّ لِأَحَدٍ بَعْدَ مَوتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِالشَّامِ" (^٢).
وَأَمَّا الأَثَرُ الثَّانِي: فَقَدْ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَن دَاودَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ: أَقْبَلَ مَرْوَانُ يَوْمًا، فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجْهَهُ عَلَى الْقَبْرِ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيهِ؛ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: نَعَمْ. جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَمْ آتِ الْحَجَرَ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ؛ وَلَكِنِ ابْكُوا عَلَيهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيرُ أَهْلِهِ» (^٣).
وَالجَوَابُ عَلَيهِ أَيضًا: أَنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ.
قَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "قَالَ الحَاكِمُ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ! وَهُوَ مِن أَوْهَامِهِمَا؛ فَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ نَفْسُهُ فِي تَرْجَمَةِ دَاودَ هَذَا: حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ! وَوَافَقَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ؛ فَأَنَّى لَهُ الصِّحَّةُ؟! " (^٤).
وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: شَيخُهُ؛ أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ؛ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ: "قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَذَّبُوهُ، وَأُنْكِرَتْ عَلَيهِ أَشْيَاء" (^٥).
_________________
(١) الصَّارِمُ المُنْكِيُّ (ص ٢٣٧).
(٢) المُحَلَّى (٢/ ١٨٨).
(٣) ضَعِيفٌ. مُسْنَدُ أَحْمَد (٢٣٥٨٥)، المُسْتَدْرَكُ (٨٥٧١)، المُعْجَمُ الأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (٢٨٤). الضَّعِيفَةُ (٣٧٣).
(٤) السِّلْسِلَةُ الضَّعِيفَةُ (١/ ٥٥٢).
(٥) لِسَانُ المِيزَانِ (١/ ٥٩٤).
[ ١ / ١٧٣ ]
وَفِيهِ أَيضًا حَاتِمُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ؛ قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ: "صَدُوقٌ يَهِمُ" (^١)، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: "لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ؛ تَفَرَّدَ بِهِ: حَاتِمٌ" (^٢).
وَمِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَلَيسَ فِي الأَثَرَينِ أَنَّ التَّمَرُّغَ كَانَ سَبَبُهُ التَّبَرُّكَ! وَإِنَّمَا ظَاهِرُهُ الشَّوقُ وَالحَنِينُ لِصَاحِبِ القَبْرِ ﵊، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مِثْلِهِ مِنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ اليَمَانِيِّ.
قَالَ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَقَدْ شَاعَ عِنْدَ المُتَأَخِّرِينَ الاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ لِوَضْعِ أَبِي أَيُّوبَ وَجْهَهُ عَلَى القَبْرِ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ لَيسَ صَرِيحًا فِي الدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَمَسُّحَهُ كَانَ لِلْتَبَرُّكِ -كَمَا يَفْعَلُ الجُهَّالُ-! فَالسَّنَدُ إِلَيهِ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ -كَمَا عَلِمْتَ- فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ المُحَقِّقُونَ مِن العُلَمَاءِ -كَالنَّوَوِيِّ وَغَيرِهِ- التَّمَسُّحَ بِالقُبُورِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مِن عَمَلِ النَّصَارَى، وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَ النُّقُولِ فِي ذَلِكَ فِي (تَحْذِيرِ السَّاجِدِ مِنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ) " (^٣).
_________________
(١) تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ (ص ١٤٤).
(٢) المُعْجَمُ الأَوْسَطُ لِلطَّبَرَانِيِّ (١/ ٩٤).
(٣) السِّلْسِلَةُ الضَّعِيفَةُ (١/ ٥٥٣). قَالَ الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ وَهْبَةُ الزُّحَيليُّ حَفِظَهُ اللهُ وَرَعَاهُ فِي كِتَابِهِ (الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ وَأَدِلَّتُهُ) (ص ١٤٥٣) - فِي حَاشِيَةِ أَبْوَابِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ -: "اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرٍ رَجَاءَ الإِجَابَةِ بِدْعَةٌ، لَا قُرْبَةٌ".
[ ١ / ١٧٤ ]