- التَّوحِيدُ: هُوَ جَعْلُ الشَّيءِ وَاحِدًا (^١).
- التَّوحِيدُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٦٥].
وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ هِيَ:
١ - تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: وَمَعْنَاهُ تَوحِيدُ اللهِ بِأَفْعَالِهِ، وَأُصُولُهَا: الخَلْقُ وَالمُلْكُ وَالتَّدْبِيرُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: ٣١] (^٢).
_________________
(١) قَالَ الزُّبَيدِيُّ ﵀ (ت ١٢٠٥ هـ) فِي كِتَابِهِ تَاجُ العَرُوسِ (٩/ ٢٧٦): "التَّوحِيدُ تَوحِيدَانِ، تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوحِيدُ الإِلَهِيَّةِ. فَصَاحِبُ تَوحِيدِ الرَّبَّانِيَّةِ يَشْهَدُ قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوقَ عَرْشِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا مُحْييَ وَلَا مُمِيتَ وَلَا مُدَبِّرَ لِأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا غَيرُهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ حَادِثٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَاهَا عِلْمُهُ وَأَحَاطَتْ بِهَا قُدْرَتُهُ وَنَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ وَاقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ. وَأَمَّا تَوحِيدُ الإِلَهِيَّةِ فَهُوَ أنْ يَجْمَعَ هِمَّتَهُ وَقَلْبَهُ وَعَزْمَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَرَكاتِهِ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ وَالقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ".
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢٦٧): " ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أَي: أَفَلَا تَخَافُونَ مِنْهُ أَنْ =
[ ١ / ١٥ ]
٢ - تَوحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ (^١) أَو تَوحِيدُ العِبَادَةِ (^٢): وَمَعْنَاهُ جَعْلُ العِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لُقْمَان: ٣٠].
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٢].
وَإِنَّ تَحْقِيقَ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى يَكُونُ بِإِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبْحٍ وَنَذْرٍ وَتَوَكُّلٍ وَرَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَ…، فَمَنْ صَرَفَ شَيئًا مِنْهَا لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ سُبْحَانَهُ.
وَإِنَّ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ لَمْ يَكُنْ شِرْكُهُم هُوَ بِاعْتِقَادِ خَالِقٍ أَو رَازِقٍ أَو نَافِعٍ أَو ضَارٍّ مَعَ اللهِ تَعَالَى -كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ بِالقُرْآنِ- (^٣)، وَإِنَّمَا كَانَ شِرْكُهُم
_________________
(١) = تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيرَهُ بِآرَائِكُم وَجَهْلِكُم؟! وَقَولُهُ: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أَي: فَهَذَا الَّذِي اعْتَرَفْتُم بِأَنَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ رَبُّكُم وَإِلَهُكُم الحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفْرَدَ بِالعِبَادَةِ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ أَي: فَكُلُّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ بَاطِلٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ".
(٢) قَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ (ص ١٢٤٢): "أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوهَةً وَأُلُوهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ". وَقَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٣/ ٤٦٧): " (ألَهَ) الإلَهُ: اللهُ ﷿، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُونِهِ مَعْبُودًا: إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيهِ الشَّيءُ فِي نَفْسِهِ".
(٣) هَذَا النَّوعُ مِنَ التَّوحِيدِ يَكُونُ اسْمُهُ بِاعْتِبَارَينِ: فَبِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى يُسمَّى: تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، فَلَا إلَهَ حَقٌّ إِلَّا هُوَ، وَبِاعْتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى العِبَادِ يُسمَّى: تَوحِيدَ العِبَادَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا تَعْبُدَ غَيرَهُ. قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (ص ٥٠٣): "فَالأُلُوهِيَّةُ وَصْفُهُ تَعَالَى، وَالعُبُودِيَّةُ وَصْفُ عَبْدِهِ".
(٤) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى =
[ ١ / ١٦ ]
هُوَ بِاتِّخَاذِ الوَسَائِطِ وَالشُّفَعَاءِ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى (^١)؛ حَيثُ تَعَلَّقُوا بِهِم فَدَعَوهُم وَاسْتَغَاثُوا بِهِم، وَهُمْ "لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الأَصْنَامَ تَنْفَعُهُمْ أَو تَضُرُّهُمْ بِذَاتِهَا! وَلَا أَنَّهَا تَخْلُقُ! وَلَا أَنَّهَا تَرْزُقُ! لَكِنْ يَدَّعُونَ أَنَّهُم اتَّخَذُوهَا وَسِيلَةً" (^٢).
٣ - تَوحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ أَنَّ اللهَ ﷻ وَاحِدٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا مُمَاثِلَ لَهُ فِيهِمَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: ١١] (^٣).
_________________
(١) = يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١]. وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣١ - ٣٢].
(٢) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].
(٣) تَفْسِيرُ سُورَةِ الزُّمَرْ لِابْنِ عُثَيمِين (ص ٣٠). وَقَالَ الفَخْرُ الرَّازِي ﵀: "وَحَاصِلُ الكَلَامِ لِعُبَّادِ الأَصْنَامِ أَنْ قَالُوا: إِنَّ الإِلَهَ الأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَه البَشَرُ، لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الأَكَابِرِ مِن عِبَادِ اللهِ مِثْلِ الكَوَاكِبِ، وَمِثْلِ الأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ؛ ثُمَّ إِنَّها تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الإِلَهِ الأَكْبَرِ! فَهَذَا هُوَ المُرَادُ مِنْ قَولِهِم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ". تَفْسِيرُ الرَّازِي (٢٦/ ٤٢١).
(٤) فَائِدَةٌ: اشْتِرَاكُ أسْمَاءِ بَعْضِ الصِّفَاتِ بَينَهُ تَعَالَى وَبَينَ بَعْضِ خَلْقِهِ إِنَّمَا هُوَ اشْتِرَاكٌ فِي أَصْلِ الصِّفَةِ وَلَيسَ فِي حَقِيقَتِهَا، فَالكَمَالُ فِيهَا للهِ وَحْدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، فَمَثَلًا المَخْلُوقُ قَدْ يَكُونُ عَزِيزًا مَعْ أَنَّ اللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيزُ؛ لَكِنَّ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ صِفَةِ العِزَّةِ مَا يُنَاسِبُ ذَاتَهُ الحَقِيرَةَ الوَضِيعَةَ الفَقِيرَةَ، وَاللهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُ مِنْ كَمَالِ هَذِهِ الصِّفَةِ مُنْتَهَى ذَلِكَ، لَيسَ لَهُ فِيهَا مَثِيلٌ، وَلَيسَ لَهُ فِيهَا مُشَابِهٌ عَلَى الوَجْهِ التَّامِّ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي مَوضِعِهِ مِنْ شَرْحِ الكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
[ ١ / ١٧ ]