أ- العِبَادَةُ بِمَعْنَى التَّعَبُّدِ: أَي التَّذَلُّلُ للهِ تَعَالَى وَالخُضُوعُ لَهُ؛ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا (^٢).
ب- العِبَادَةُ بِمَعْنَى مَا يُتعبَّدُ بِهِ: هِيَ "اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ" (^٣)؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِ الطَّاعَاتِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ دُعَاءُ غَيرِ اللهِ هُوَ كَالصَّلَاةِ لِغَيرِ اللهِ؛ وَذَلِكَ لِكَونِهِمَا عِبَادَةً يُحِبُّهَا اللهُ تَعَالَى.
- إِنَّ نِزَاعَ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ الكَافِرَةِ المُخَالِفَةِ لِلإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ فِي النَّوعِ الأَوَّلِ
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ فَتْحِ المَجِيدِ (٢٠/ ٢٢): "وَيُضَافُ شَرْطٌ ثَامِنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ الكُفْرُ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْفُرَ بِكُلِّ مَا يُخَالِفُهَا، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فَيَبْدَأُ بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ أَولًا"، وَكَذَا أَضَافَهُ الشَّيخُ الإِمَامُ ابْنُ بَازٍ ﵀ كَمَا فِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ (٧/ ٥٧). قُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُضَمَّنٌ فِيمَا سَبَقَ مِنَ القَبُولِ وَالانْقِيَادِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ شُرُوطُ (لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، وَلَيسَتْ شُرُوطَ الإِيمَانِ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ فَقَط! فَـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ) مَعْنَاهَا: الإِيمَانُ بِاللهِ وَالكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ أَصْلًا! فَالشَّرْطُ الثَّامِنُ مُضَمَّنٌ فِي المَعْنَى أَصْلًا. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(٢) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (ت ٦٧١ هـ) فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٢٢٥): "وَأَصْلُ العِبَادَةِ الخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ إِذَا كَانَتْ مَوطُوءَةً بِالأَقْدَامِ". وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ ﵀ (ت ٦٥٦ هـ) فِي كِتَابِهِ المُفْهِمُ عَلَى مُسْلِمٍ (١/ ١٨١): "سُمِّيَتْ وَظَائِفُ الشَّرْعِ عَلَى المُكَلَّفِينَ عِبَادَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَهَا وَيَفْعَلُونَهَا خَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ للهِ تَعَالَى".
(٣) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٠/ ١٤٩).
[ ١ / ٢٠ ]
مِنَ التَّوحِيدِ -وَهُوَ تَوحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ-، وَلَكِنْ فِي تَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الكُتُبُ، فَأَكْثَرُ الأُمَمِ الكَافِرَةِ كَانَتْ تُقِرُّ للهِ تَعَالَى بِالخَلْقِ وَالمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُخْلِصُ للهِ تَعَالَى فِي العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الأَمْرَ القُرْآنِيَّ لِلمُشْرِكِينَ بِالعِبَادَةِ يُقْصَدُ بِهِ إِفْرَادُ اللهُ بِالعِبَادَةِ (^١)، لِأَنَّهُم كَانُوا يَعْبُدُونُ اللهَ تَعَالَى وَلَكِنْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيرَهُ؛ فَكَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَجُّ عَلَى المُشْرِكِينَ بِمَا يُقِرُّونَهُ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَحْدَهُ عَلَى مَا يُنْكِرُونَهُ مِنْ أُلُوهِيَّتِهِ وَحْدَهُ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١] (^٢).