الجَوَابُ:
الأَصْلُ فِي قَبُولِ إِسْلَامِ الكَافِرِ هُوَ قَولُ الشَّهَادَتِينِ؛ إِلَّا إِنْ كَانَ هَذَا الكَافِرُ لَهُ اعْتِقَادٌ خَاصٌّ سَابِقٌ؛ فَلَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يُضِيفَ إِلَى الشَّهَادَتِينِ إِبْطَالَ عَقِيدَتِهِ الخَاصَّةِ السَّابِقَةِ، كَمَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿) (^١).
فَالبَاطِنِيُّ الَّذِي يُؤَلِّهُ عَلِيًّا ﵁؛ لَا أَقُولُ: إِذَا نَطَقَ الشَّهَادَتَينِ فَقَطْ! بَلْ وَأَيضًا إِذَا صَلَّى؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْلِنَ بُطْلَانَ مَا كَانَ عَلَيهِ سَابِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّهَادَةِ لَيسَتْ مُجَرَّدَ قَولِهَا! بَلْ وَلَا مُجَرَّدَ إِقَامَةِ مَظَاهِرِ تَوحِيدِ اللهِ تَعَالَى! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الكُفْرِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ المَعْبُودَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٦] (^٢).
_________________
(١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٣) مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ مَرْفُوعًا.
(٢) قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (١/ ١٥٧): "وَفِي قَولِهِ: «وكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)! بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَكْفُرَ بِعِبَادَةِ مَنْ يُعَبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، بَلْ وَتَكْفُرَ أَيضًا بِكُلِّ كُفْرٍ، فَمَنْ يَقولُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَيَرَى أَنَّ النَّصَارَى وَاليَهُودَ اليَومَ عَلَى دِينٍ صَحِيحٍ! فَلَيسَ بِمُسْلِمٍ". وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ رَوضَةُ الطَّالِبِينَ (٧/ ٣٠١) -كِتَابُ الرِّدَّةِ، فَصْلٌ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ تَوبَةُ المُرْتَدِّ وَفِي مَعْنَاهَا إِسْلَامُ الكُفَّارِ الأَصْلِيِّ-: "وَقَدْ وَصَفَ الشَّافِعِيُّ ﵁ تَوبَتَهُ فَقَالَ: أَنْ يَشْهَدَ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ ويَبْرَأَ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الإِسْلَامَ. وَقَالَ فِي مَوضِعٍ -أَي: =
[ ١ / ١٠٤ ]
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "هَؤُلَاءِ الدُّرْزِيَّةُ والنُصَيرِيَّة كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِم وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِم؛ بَلْ وَلَا يُقَرُّونَ بِالجِزْيَةِ، فَإِنَّهُمْ مُرْتَدُّونَ عَنْ دِينِ الإِسْلَامِ، لَيسُوا مُسْلِمِينَ؛ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى، لَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَلَا وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَلَا وُجُوبِ الحَجِّ، وَلَا تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ المَيتَةِ وَالخَمْرِ وَغَيرِهِمَا وَإِنْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَينِ -مَعَ هَذِهِ العَقَائِدِ- فَهُمْ كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ" (^١).
قَالَ الإِمَامُ المُجدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ -فِي مَسَائِلِ البَابِ- مِنْ كِتَابِ التَّوحِيدِ: "وَمِنْهَا قَولُهُ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ ﷿) وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ التَّلَفُّظَ بِهَا عَاصِمًا لِلدَّمِ وَالمَالِ! بَلْ وَلَا مَعْرِفَةَ مَعْنَاهَا مَعَ لَفْظِهَا! بَلْ وَلَا الإِقْرَارَ بِذَلِكَ! بَلْ وَلَا كَونَهُ لَا يَدْعُو إِلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ! بَلْ لَا يَحْرُمُ مَالُهُ وَدَمُهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَى ذَلِكَ الكُفْرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَإِنْ شَكَّ أَو تَوَقَّفَ لَمْ يَحْرُمْ مَالُهُ وَدَمُهُ".
_________________
(١) = الشَّافِعِيُّ-: إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتينِ صَارَ مُسْلِمًا. وَلَيسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ قَولٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الأَصْحَابِ -كَمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ- بَلْ يَخْتَلِفُ الحَالُ بِاخْتِلَافِ الكُفَّارِ وَعَقَائِدِهِم". وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ أَيضًا فِي كِتَابِهِ رَوضَةُ الطَّالِبِينَ (٧/ ٣٠٢): "وَأَنَّ الثَّنَوِيَّ إِذَا قَالَ: (لَا إِلَهَ إلِّا اللهَ) لَمْ يَكُنْ مُؤمِنًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنَ القَولِ بِقِدَمِ الظُّلْمَةِ وَالنُّورِ؛ وَأَنْ لَا قَدِيمَ إِلَّا اللهُ؛ كَانَ مُؤمِنًا". قُلْتُ: وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ شِهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤٣٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٨) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. وَبِنَحْوِهِ أَيضًا فِي كِتَابِ المُغْنِي (٩/ ٢١) لِابْنِ قُدَامَةَ ﵀. وَانْظُرْ أَيضًا فَتْوَى الشَّيخِ ابْنِ بَازٍ ﵀ فِي صَدَّام حُسَين فِي كِتَابِهِ مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَاز (٦/ ١٢١).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٥/ ١٦١).
[ ١ / ١٠٥ ]